sabri
14-09-2006, 19:44
مقتطفات من حوار اجرته اذاعة صوت الشعب مع الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني الشهيد جورج حاوي في الذكرى السادسة عشرة لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
(اذاعة صوت الشعب - 16 ايلول 1998)
قرار انشاء قوة عسكرية منظمة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي نشأت مبكراً في الحزب وكانت بوادرها في الصراع الذي جرى في الحزب خلال ازمة الحزب الكبرى ولم يحسم الا في المؤتمر الثاني، وعلى قاعدة وضوح موقف الحزب من القضية القومية وجانبيها المركزيين المتمثلين بمواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين وتحقيق الوحدة العربية. ومن خلال ادراك الحزب في مؤتمره الثاني لطبيعة هذا المشروع الصهيوني ولمطامعه على الصعيد العربي وخاصة بالنسبة للبنان، واجه الحزب سياسة البرجوازية اللبنانية التي كانت تعتمد على مبدأ قوة لبنان في ضعفه في محاولة منها لعزل لبنان عن الصراع العربي الاسرائيلي، وكأنما المسألة ارادية، يكفي لفريق واحد ان يعلن انه ليس طرفاً في النزاع حتى يلغي مفاعيل هذا النزاع.
وقلنا ان عزل لبنان عن هذا الصراع غير ممكن وهو مستحيل حتى وان اخذت السلطة اللبنانية موقع الحياد، فالمطامع الاسرائيلية في لبنان وطبيعة الصراع العربي الاسرائيلي وارتباط لبنان المصيري بالامة العربية سيجعلان من لبنان ساحة لهذا الصراع، وبالتالي يجب ان يترتب الوضع اللبناني على قاعدة هذه المواجهة وليس على وهم التفلت من موجباتها. فدعونا الى مهام تتعلق بالسلطة اللبنانية، كتحصين الجنوب وبناء الملاجئ وتعبئة القوى السياسية والعسكرية واعادة النظر في عقيدة الجيش اللبناني وتربيته واعداده والتنسيق العربي مع الدول العربية، سوريا ومصر انذاك والعراق، والجبهة الشرقية وتنفيذ قرارات الجامعة العربية بهذا الصدد، وكان سبق للجامعة العربية ان اتخذت قرارات شكلياً ايجابية في هذا المجال. وقلنا ايضاً على القوى الشعبية ان تستعد وفي ظل رؤيتنا لهذا الصراع ولطبيعة تخاذل السلطة اللبنانية انذاك قررنا انشاء صيغة شعبية اي خارج اطار السلطة الرسمية يمكننا ان تملأ هذا الفراغ المتمثل بموقف السلطة اللبنانية، فنشأ على قاعدة ذلك "الحرس الشعبي" في الجنوب في اطار مهمة مواجهة العدوان الاسرائيلي على قرى الجنوب وتحصين هذه القرى في وجه هذا العدوان، وتحولت قوتنا العسكرية هذه في الجنوب الى نوع من العلاقة التحالفية مع الوجود الفلسطيني الذي ازداد في تلك الفترة.
ولكننا كنا نستنتج تباعاً وخاصة بعد عدوان العرقوب الاول، وبعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1978، ان المواجهة على قاعدة الجبهة العسكرية بين جيشين ليست في صالح نسبة القوى الوطنية اللبنانية الفلسطينية، وامام قناعتنا بحتمية نشوء عدوان اسرائيلي محتضن اميركياً ومن قبل اطراف دولية اخرى ورجعية محلية، وعدم قدرة المواجهة العسكرية على قاعدة جيش لجيش ان تنتصر فالنتيجة الحتمية ستكون ان الاحتلال الاسرائيلي سيطال اجزاء لبنانية واسعة وبالتالي لا بد من تحضير القوى العسكرية لمبدأ القتال على قاعدة حرب الانصار، اي بعد استتباب الاحتلال ومن وراء خطوط العدو كي تربك قواه وتمنعها من التمركز وان تمنع عنها الراحة والاستقرار وتنستنزفها وتستنهض الوضع الشعبي والسياسي ومواجهتها لتفرض عليها الانسحاب.
على قاعدة ذلك، اتخذنا قراراً في اللجنة العسكرية للحزب، ثم في اللجنة المركزية والمكتب السياسي بتقسيم العمل العسكري في الحزب الى اربعة قطاعات:
- القطاع الاول، "القوات" وهي تشكيلات نظامية مدربة جيداً ومقاتلة، اخذنا قراراً بجعلها خمس كتائب (كتيبة لكل محافظة)
- النوع الثاني من التنظيم كان "الميليشيا"، وهي تضم الرفاق المتطوعين المساندين للقوات والمشاركين في المهام لاسبوع او لشهر او ليوم الى جانب الجسم المتفرغ المتمثل بالقوات.
- التشكيل الثالث هو "القوى الامنية" ومهمته ضمان امن الحزب وامن القوات المسلحة للحزب في اطار مشاركتها في العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي وفي الحرب الاهلية اللبنانية.
- النمط الرابع اسميناه "القوات الخاصة" وكان هو نواة المقاومة التي اعلنت بصيغة سياسية هي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي.
وقد قام الحزب مسبقاً وقبل الاجتياح، وتحديداً منذ اجتياح 1978 بتحضير الكوادر والنواة القيادية في كل محافظة خاصة في الجنوب وبيروت والجبل والبقاع من اجل بناء هذه القوات الخاصة اي هذه القوات المقاومة للاحتلال ومنعت من المشاركة في العمليات العسكرية ضمن اطار المجابهة المباشرة حتى لا تدمر او تستنزف اثناء تقدم العدو، ولتكون قادرة على العمل بعد انجاز واستتباب الاحتلال، وعندما بدأ العدوان الاسرائيلي كان رأي الحزب واضحاً من خلال استقرائه السياسي للاحداث والمعلومات التي حصل عليها عبر علاقاته الداخلية والعربية والدولية ان الاجتياح لن يتوقف في حدود الاربعين كيلومتر كما كان مقررا على الصعيدين الاقليمي والدولي، بل ان اسرائيل ستطور هذا الاجتياح لتصل الى حصار بيروت بالذات، لتحقيق هدفين اولهما اجلاء المقاومة الفلسطينية اجلاءاً كاملاً عن لبنان بكل ما لها من بنية تحتية عسكرية وتجهيزات وقوى ومقاتلين ووجود، والهدف الثاني تأمين وصول بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية وهو الامر الذي لم يكن ليتحقق لو اكتفى المحتل الاسرائيلي في اخذ شرق صيدا او حصار صيدا او حتى احتلالها، كان لا بد من احتلال بعبدا وبيروت كي تتحقق هذه المهمة. وعلى ضوء ذلك سرعنا اجراءات تنظيم المقاومة في بيروت والجنوب والجبل والبقاع.
وفي خلال دورتي اجتماع للجنة المركزية ترأسهما الرفيق نقولا الشاوي رئيس الحزب انذاك، تم اخذ قرار انجاز هذه الترتيبات لتكون المقاومة جاهزة لعملياتها فور استتباب الاحتلال، ثانياً تسمية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كشعار سياسي يؤطر ليس فقط قوى الحزب بل ايضاً القوى الحليفة والصديقة التي ترغب في قتال الاحتلال الاسرائيلي بمعزل عن نتائج هذا الاحتلال في نسبة القوى الاسرائيلية من جهة والفلسطينية السورية اللبنانية من جهة اخرى، حيث كان هذا التعاون الثلاثي على افضل حاله في ذلك الوقت، ومن خلال ذلك قمنا بترتيبات مع الرفاق في منظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي والتنظيم الشعبي الناصري وفصائل ناصرية ويسارية اخرى، تحضيراً لهذه الاجواء، غير موهومين بنسبة القوى ولكن واثقين ان المهم هو ارادة الصمود، ارادة القتال، وان هذه الشرارة ستؤدي الى اشتعال الحقل بكامله، ثم ان هذا الامر سيصبح ككرة الثلج التي سرعان ما ستصبح ضخمة وكبيرة جدا جدا. وعلى هذا الاساس عندما اكملت اسرائيل احتلالها لبيروت اثر مقتل بشير الجميل، كنا قد اطلقنا الترتيبات النهائية لبداية العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي لبيروت، فقاوم رفاقنا هذا الاحتلال على محاور عديدة من محور الكولا الى محور وطى المصيطبة الى محور مستشفى بخعازي، حيث سقط لنا ثلاث شهداء هناك كتبوا بدمهم بيان انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في السادس عشر من ايلول، حيث كنت اسكن والرفيق نقولا الشاوي في منزل قريب جداً من ذلك الموقع على بعد امتار من هذا القتال، ثم انتقل كل منا بعد ذلك الى المكان المحدد سلفاً للعمل السري وانتقلت لألتقي مع من توفر من اتصالات مع قوى الحركة الوطنية اللبنانية في منزل الشهيد كمال جنبلاط، لنقرر هذه الخطوة بشكل مشترك، لم يتمكن من الوصول الى هناك الا انا والرفيق محسن ابراهيم، بينما اصطدم الرفيق محسن دلول (نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) بالقتال، كذلك الدكتور سمير صباغ من المرابطون كذلك اطراف اخرى من الحركة الوطنية، وهنا كتبت واذعنا باسمي وباسم الرفيق محسن ابراهيم بيان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وقد كان هذا الامر يبدو بالنسبة للقوى السياسية الاخرى انه مجرد موقف مبدئي، مجرد موقف رمزي، مجرد اعلان عن الرغبة في قتال العدو وكان الجميع تقريباً يشكون في امكانية نجاح هذه الخطوة في المجال التطبيقي العملي، قليلون جداً كانوا يؤمنون ان ارادة الشعب عندما يتوفر لها قيادة ثورية تستطيع ان تحقق المعجزات، حتى ان البعض اعتبر هذه الخطوة نوع من الهروب الى الامام، نوع من الجنون امام نسبة القوى الاسرائيلية، "الجيش الذي لا يقهر"، "التكنولوجية التي لا تقاوم"، "التغطية الجوية والبحرية والبرية للعدوان" وكل منطق الهزيمة التي عودتنا عليه الجيوش العربية والانظمة العربية والذي تكرس ايضاً في بعض المواجهات غير المشرفة التي جرت في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي عبر اجتياحه للبنان من القوات المشتركة للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، حيث ان معارك بطولية حدثت، ولكن انهيارات سريعة ايضاً وقعت، فزاد ذلك من الاحباط في الجو الوطني العام.
من جهتنا في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، في اللجنة المركزية والمكتب السياسي، كنا واثقين ان هذه الخطوة هو الجواب التاريخي الثوري على الحدث التاريخي الرجعي المتمثل باحتلال عاصمة لبنان من قبل اسرائيل بحماية دولية وبرعاية اقليمية. وعلى هذا الاساس يمكن القول ان التحضير للعملية الاولى من اولئك الابطال المبادرون سواء من قبل قيادة الحزب او من قبل العناصر المحضرة والمنفذة على صيدلية بسترس وعلى محطة ايوب وعلى مقر منظمة التحرير وغيرها مما ادى ايضاً الى انطلاقة بعملية نوعية قام بها الرفاق في الحزب السوري القومي الاجتماعي في الويمبي في الحمرا، وانطلقت سلسلة العمليات التي فاجأت الاحتلال الاسرائيلي، ولم يكن يتوقعها ابداً ومنعته من الاستقرار والتمركز في بيروت وظلت تلاحقه حتى اخذ قرار الانسحاب الفوري من بيروت وبدأ يذيع بمكبرات الصوت طيلة يوم بكامله، ينادي اهل بيروت لأنه لم يكن يعرف من اين تنطلق العمليات ضده "يا اهل بيروت لا تطلقوا النار علينا نحن منسحبون غداً" وتحت ضربات ابطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية فرض اول انسحاب للاحتلال الاسرائيلية عن ارض عربية دون مفاوضات ودون شروط لتكرس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بذلك بداية عصر جديد لنهوض حركة التحرر الوطني العربية والحركة الثورية العربية الجديدة.
كنا على قناعة ان اجلاء الاحتلال الاسرائيلي عن ارض لبنان سيكون محصلة لجملة مهام نضالية على رأسها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وتكبيد قواته خسائر لا يستطيع تحمل نتائجها في ما يتعلق بالخسائر في الارواح، فالجيش الاسرائيلي واسرائيل عامة حريصة على الا تدفع خسائر بشرية، نتيجة ظروف عددها والقيمة التي تعطيها لعسكرييها، تحرص على ان تخفف خسائرها وكانت تنجح في ذلك في الجبهات الكلاسيكية من خلال استخدام التكنولوجيا المتطورة (القصف الجوي والبري والبحري والدبابات، والتنسيق بين الاسلحة والرمايات...) حتى تدخل الى مناطق اخليت من قبل القوى المجابهة لها ولم تكن متعودة ان تلقى الضربات بين الخلف ومن الامام ومن فوق من قبل المقاومين الذين يسبحون فوق ارضهم كما يسبح السمك في الماء، كما يحدده التعبير الكلاسيكي عن حرب الانصار. وبالتالي كنا نعطي اهمية كبرى للمقاومة لانها هي الاساس في امكانية فرض الانسحاب الاسرائيلي(...)
(اذاعة صوت الشعب - 16 ايلول 1998)
قرار انشاء قوة عسكرية منظمة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي نشأت مبكراً في الحزب وكانت بوادرها في الصراع الذي جرى في الحزب خلال ازمة الحزب الكبرى ولم يحسم الا في المؤتمر الثاني، وعلى قاعدة وضوح موقف الحزب من القضية القومية وجانبيها المركزيين المتمثلين بمواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين وتحقيق الوحدة العربية. ومن خلال ادراك الحزب في مؤتمره الثاني لطبيعة هذا المشروع الصهيوني ولمطامعه على الصعيد العربي وخاصة بالنسبة للبنان، واجه الحزب سياسة البرجوازية اللبنانية التي كانت تعتمد على مبدأ قوة لبنان في ضعفه في محاولة منها لعزل لبنان عن الصراع العربي الاسرائيلي، وكأنما المسألة ارادية، يكفي لفريق واحد ان يعلن انه ليس طرفاً في النزاع حتى يلغي مفاعيل هذا النزاع.
وقلنا ان عزل لبنان عن هذا الصراع غير ممكن وهو مستحيل حتى وان اخذت السلطة اللبنانية موقع الحياد، فالمطامع الاسرائيلية في لبنان وطبيعة الصراع العربي الاسرائيلي وارتباط لبنان المصيري بالامة العربية سيجعلان من لبنان ساحة لهذا الصراع، وبالتالي يجب ان يترتب الوضع اللبناني على قاعدة هذه المواجهة وليس على وهم التفلت من موجباتها. فدعونا الى مهام تتعلق بالسلطة اللبنانية، كتحصين الجنوب وبناء الملاجئ وتعبئة القوى السياسية والعسكرية واعادة النظر في عقيدة الجيش اللبناني وتربيته واعداده والتنسيق العربي مع الدول العربية، سوريا ومصر انذاك والعراق، والجبهة الشرقية وتنفيذ قرارات الجامعة العربية بهذا الصدد، وكان سبق للجامعة العربية ان اتخذت قرارات شكلياً ايجابية في هذا المجال. وقلنا ايضاً على القوى الشعبية ان تستعد وفي ظل رؤيتنا لهذا الصراع ولطبيعة تخاذل السلطة اللبنانية انذاك قررنا انشاء صيغة شعبية اي خارج اطار السلطة الرسمية يمكننا ان تملأ هذا الفراغ المتمثل بموقف السلطة اللبنانية، فنشأ على قاعدة ذلك "الحرس الشعبي" في الجنوب في اطار مهمة مواجهة العدوان الاسرائيلي على قرى الجنوب وتحصين هذه القرى في وجه هذا العدوان، وتحولت قوتنا العسكرية هذه في الجنوب الى نوع من العلاقة التحالفية مع الوجود الفلسطيني الذي ازداد في تلك الفترة.
ولكننا كنا نستنتج تباعاً وخاصة بعد عدوان العرقوب الاول، وبعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1978، ان المواجهة على قاعدة الجبهة العسكرية بين جيشين ليست في صالح نسبة القوى الوطنية اللبنانية الفلسطينية، وامام قناعتنا بحتمية نشوء عدوان اسرائيلي محتضن اميركياً ومن قبل اطراف دولية اخرى ورجعية محلية، وعدم قدرة المواجهة العسكرية على قاعدة جيش لجيش ان تنتصر فالنتيجة الحتمية ستكون ان الاحتلال الاسرائيلي سيطال اجزاء لبنانية واسعة وبالتالي لا بد من تحضير القوى العسكرية لمبدأ القتال على قاعدة حرب الانصار، اي بعد استتباب الاحتلال ومن وراء خطوط العدو كي تربك قواه وتمنعها من التمركز وان تمنع عنها الراحة والاستقرار وتنستنزفها وتستنهض الوضع الشعبي والسياسي ومواجهتها لتفرض عليها الانسحاب.
على قاعدة ذلك، اتخذنا قراراً في اللجنة العسكرية للحزب، ثم في اللجنة المركزية والمكتب السياسي بتقسيم العمل العسكري في الحزب الى اربعة قطاعات:
- القطاع الاول، "القوات" وهي تشكيلات نظامية مدربة جيداً ومقاتلة، اخذنا قراراً بجعلها خمس كتائب (كتيبة لكل محافظة)
- النوع الثاني من التنظيم كان "الميليشيا"، وهي تضم الرفاق المتطوعين المساندين للقوات والمشاركين في المهام لاسبوع او لشهر او ليوم الى جانب الجسم المتفرغ المتمثل بالقوات.
- التشكيل الثالث هو "القوى الامنية" ومهمته ضمان امن الحزب وامن القوات المسلحة للحزب في اطار مشاركتها في العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي وفي الحرب الاهلية اللبنانية.
- النمط الرابع اسميناه "القوات الخاصة" وكان هو نواة المقاومة التي اعلنت بصيغة سياسية هي جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي.
وقد قام الحزب مسبقاً وقبل الاجتياح، وتحديداً منذ اجتياح 1978 بتحضير الكوادر والنواة القيادية في كل محافظة خاصة في الجنوب وبيروت والجبل والبقاع من اجل بناء هذه القوات الخاصة اي هذه القوات المقاومة للاحتلال ومنعت من المشاركة في العمليات العسكرية ضمن اطار المجابهة المباشرة حتى لا تدمر او تستنزف اثناء تقدم العدو، ولتكون قادرة على العمل بعد انجاز واستتباب الاحتلال، وعندما بدأ العدوان الاسرائيلي كان رأي الحزب واضحاً من خلال استقرائه السياسي للاحداث والمعلومات التي حصل عليها عبر علاقاته الداخلية والعربية والدولية ان الاجتياح لن يتوقف في حدود الاربعين كيلومتر كما كان مقررا على الصعيدين الاقليمي والدولي، بل ان اسرائيل ستطور هذا الاجتياح لتصل الى حصار بيروت بالذات، لتحقيق هدفين اولهما اجلاء المقاومة الفلسطينية اجلاءاً كاملاً عن لبنان بكل ما لها من بنية تحتية عسكرية وتجهيزات وقوى ومقاتلين ووجود، والهدف الثاني تأمين وصول بشير الجميل الى رئاسة الجمهورية وهو الامر الذي لم يكن ليتحقق لو اكتفى المحتل الاسرائيلي في اخذ شرق صيدا او حصار صيدا او حتى احتلالها، كان لا بد من احتلال بعبدا وبيروت كي تتحقق هذه المهمة. وعلى ضوء ذلك سرعنا اجراءات تنظيم المقاومة في بيروت والجنوب والجبل والبقاع.
وفي خلال دورتي اجتماع للجنة المركزية ترأسهما الرفيق نقولا الشاوي رئيس الحزب انذاك، تم اخذ قرار انجاز هذه الترتيبات لتكون المقاومة جاهزة لعملياتها فور استتباب الاحتلال، ثانياً تسمية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كشعار سياسي يؤطر ليس فقط قوى الحزب بل ايضاً القوى الحليفة والصديقة التي ترغب في قتال الاحتلال الاسرائيلي بمعزل عن نتائج هذا الاحتلال في نسبة القوى الاسرائيلية من جهة والفلسطينية السورية اللبنانية من جهة اخرى، حيث كان هذا التعاون الثلاثي على افضل حاله في ذلك الوقت، ومن خلال ذلك قمنا بترتيبات مع الرفاق في منظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي والتنظيم الشعبي الناصري وفصائل ناصرية ويسارية اخرى، تحضيراً لهذه الاجواء، غير موهومين بنسبة القوى ولكن واثقين ان المهم هو ارادة الصمود، ارادة القتال، وان هذه الشرارة ستؤدي الى اشتعال الحقل بكامله، ثم ان هذا الامر سيصبح ككرة الثلج التي سرعان ما ستصبح ضخمة وكبيرة جدا جدا. وعلى هذا الاساس عندما اكملت اسرائيل احتلالها لبيروت اثر مقتل بشير الجميل، كنا قد اطلقنا الترتيبات النهائية لبداية العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي لبيروت، فقاوم رفاقنا هذا الاحتلال على محاور عديدة من محور الكولا الى محور وطى المصيطبة الى محور مستشفى بخعازي، حيث سقط لنا ثلاث شهداء هناك كتبوا بدمهم بيان انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في السادس عشر من ايلول، حيث كنت اسكن والرفيق نقولا الشاوي في منزل قريب جداً من ذلك الموقع على بعد امتار من هذا القتال، ثم انتقل كل منا بعد ذلك الى المكان المحدد سلفاً للعمل السري وانتقلت لألتقي مع من توفر من اتصالات مع قوى الحركة الوطنية اللبنانية في منزل الشهيد كمال جنبلاط، لنقرر هذه الخطوة بشكل مشترك، لم يتمكن من الوصول الى هناك الا انا والرفيق محسن ابراهيم، بينما اصطدم الرفيق محسن دلول (نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) بالقتال، كذلك الدكتور سمير صباغ من المرابطون كذلك اطراف اخرى من الحركة الوطنية، وهنا كتبت واذعنا باسمي وباسم الرفيق محسن ابراهيم بيان انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وقد كان هذا الامر يبدو بالنسبة للقوى السياسية الاخرى انه مجرد موقف مبدئي، مجرد موقف رمزي، مجرد اعلان عن الرغبة في قتال العدو وكان الجميع تقريباً يشكون في امكانية نجاح هذه الخطوة في المجال التطبيقي العملي، قليلون جداً كانوا يؤمنون ان ارادة الشعب عندما يتوفر لها قيادة ثورية تستطيع ان تحقق المعجزات، حتى ان البعض اعتبر هذه الخطوة نوع من الهروب الى الامام، نوع من الجنون امام نسبة القوى الاسرائيلية، "الجيش الذي لا يقهر"، "التكنولوجية التي لا تقاوم"، "التغطية الجوية والبحرية والبرية للعدوان" وكل منطق الهزيمة التي عودتنا عليه الجيوش العربية والانظمة العربية والذي تكرس ايضاً في بعض المواجهات غير المشرفة التي جرت في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي عبر اجتياحه للبنان من القوات المشتركة للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، حيث ان معارك بطولية حدثت، ولكن انهيارات سريعة ايضاً وقعت، فزاد ذلك من الاحباط في الجو الوطني العام.
من جهتنا في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، في اللجنة المركزية والمكتب السياسي، كنا واثقين ان هذه الخطوة هو الجواب التاريخي الثوري على الحدث التاريخي الرجعي المتمثل باحتلال عاصمة لبنان من قبل اسرائيل بحماية دولية وبرعاية اقليمية. وعلى هذا الاساس يمكن القول ان التحضير للعملية الاولى من اولئك الابطال المبادرون سواء من قبل قيادة الحزب او من قبل العناصر المحضرة والمنفذة على صيدلية بسترس وعلى محطة ايوب وعلى مقر منظمة التحرير وغيرها مما ادى ايضاً الى انطلاقة بعملية نوعية قام بها الرفاق في الحزب السوري القومي الاجتماعي في الويمبي في الحمرا، وانطلقت سلسلة العمليات التي فاجأت الاحتلال الاسرائيلي، ولم يكن يتوقعها ابداً ومنعته من الاستقرار والتمركز في بيروت وظلت تلاحقه حتى اخذ قرار الانسحاب الفوري من بيروت وبدأ يذيع بمكبرات الصوت طيلة يوم بكامله، ينادي اهل بيروت لأنه لم يكن يعرف من اين تنطلق العمليات ضده "يا اهل بيروت لا تطلقوا النار علينا نحن منسحبون غداً" وتحت ضربات ابطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية فرض اول انسحاب للاحتلال الاسرائيلية عن ارض عربية دون مفاوضات ودون شروط لتكرس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بذلك بداية عصر جديد لنهوض حركة التحرر الوطني العربية والحركة الثورية العربية الجديدة.
كنا على قناعة ان اجلاء الاحتلال الاسرائيلي عن ارض لبنان سيكون محصلة لجملة مهام نضالية على رأسها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وتكبيد قواته خسائر لا يستطيع تحمل نتائجها في ما يتعلق بالخسائر في الارواح، فالجيش الاسرائيلي واسرائيل عامة حريصة على الا تدفع خسائر بشرية، نتيجة ظروف عددها والقيمة التي تعطيها لعسكرييها، تحرص على ان تخفف خسائرها وكانت تنجح في ذلك في الجبهات الكلاسيكية من خلال استخدام التكنولوجيا المتطورة (القصف الجوي والبري والبحري والدبابات، والتنسيق بين الاسلحة والرمايات...) حتى تدخل الى مناطق اخليت من قبل القوى المجابهة لها ولم تكن متعودة ان تلقى الضربات بين الخلف ومن الامام ومن فوق من قبل المقاومين الذين يسبحون فوق ارضهم كما يسبح السمك في الماء، كما يحدده التعبير الكلاسيكي عن حرب الانصار. وبالتالي كنا نعطي اهمية كبرى للمقاومة لانها هي الاساس في امكانية فرض الانسحاب الاسرائيلي(...)