المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو فهم أوضح للعَلمانية (الحلقة الأولى)


ahmad
13-03-2007, 14:53
<TABLE id=AutoNumber37 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#000000 cellSpacing=4 cellPadding=4 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD dir=rtl align=middle width="100%">نحو فهم أوضح للعَلمانية (الحلقة الأولى) </TD></TR><TR><TD width="100%"><TABLE style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#000000 cellSpacing=0 cellPadding=0 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD width="50%">GMT 22:00:00 2007 الأحد 11 مارس



</TD><TD align=right width="50%"><!--date -->صلاح نيوف



</TD></TR></TBODY></TABLE></TD></TR><TR><TD vAlign=top width="100%"><HR align=left width="99%" color=#c0c0c0 SIZE=1></TD></TR><TR><TD dir=rtl vAlign=top width="100%" height=238><!-- htmlplaceholder-->مدخل: ضرورة قراءة العَـلـْمـَانية


العديد من الناس يعتقدون بإله واحد. الآخرون في أكثر من إله. و آخرون يرفضون الإعلان عن هذا. و أخيرا هناك من لا يؤمن نهائيا. لكن الجميع يعيشون معا. وهذه الحياة المشتركة، منذ الإعلان الأول لحقوق الإنسان، يجب أن تضمن للجميع وفي نفس الوقت حرية المعتقد و المساواة في الحقوق. حرية المعتقد تستبعد كل خوف ديني أو إيديولوجي. أما المساواة في الحقوق فهي تتناقض مع إعطاء قيم مميزة و امتيازات لاعتقاد ما، أو حتى للملحدين.القوة العامة public power،هي شيء مشترك للجميع إذا عليها أن تكون حيادية (neuter في اللاتينية) على صعيد جميع الأديان و الطوائف، وتعني كما وردت في اللاتينية "لا أحد و لا الآخر". هذه الحيادية الطائفية أو الدينية هي في نفس الوقت ضمان للإنصاف، النزاهة و التجرد و هي شرط من أجل كل واحد، مهما كانت قناعاته الروحية ( نزعة إنسانية ملحدة أو نزعة إنسانية دينية على سبيل المثال)، من أجل التعايش و التعارف في "الجمهورية"، الدولة أو المدينة، حيث كل الأفراد أو الأعضاء في المدينة يتواجدون على قدم المساواة. لكن، إذا حرية العقيدة استبعدت كل عقيدة إجبارية أو تمنع العقائد الأخرى، لا يمكن تعريفها هنا بشكل سلبي. تعريفها الإيجابي يعني تحملا أو تقلدا لإشكاليات الاستقلالية الفكرية و الثقافية. أيضا فيما يتعلق بالمساواة بالحقوق، حيث عليها ضمان هذه الاستقلالية. الانعتاق العلماني لا يمكن إذا اختصاره إلى أحكام قانونية أولية أو في حدها الأدنى، ولا في امتناع الدولة عن التدخل. هذا الانعتاق يدعو قبل كل شيء إلى مقياس واحد في جميع الحقول أو المجالات.
إن العلمانية التي علينا المطالبة بها تضم جانبين أساسيين: الأول يتعلق بتنظيم "المدينة" وهي العلمانية السياسية، والثاني يرتفع و يرتقي بإدراك وتصور الحياة. الدولة العلمانية، هي تلك التي تحقق فصلا فعليا وحقيقيا بين الفضاء العام و مؤسساته (التي هي إرث مشترك)، و بين المؤسسات الدينية " كنيسة، جامع...الخ" ومعها القناعات الدينية أو الفلسفية المختلفة ( التي تعود للفضاء الخاص للمواطن ). إنه الشيء الوحيد الذي يضمن المساواة بين المواطنين مهما كانت قناعتهم كما يضمن نزاهة وتجرد السلطة. إنه الضمان الوحيد لحرية كاملة في الاعتقاد والإيمان، و حرية في التفكير... وفي الدين أيضا. الدفاع عن مبدأ علمانية الدولة و عن السلطات العامة ليس خاصية أو إقطاعية لمجموعة من المؤمنين فيها أو لمجموعة من الملحدين الذين يرون أنهم ناطقين باسمها، ولكن لأنه لا يوجد حرية دينية خارج الدولة العلمانية. منذ أن تصنف الدولة بشكل علني أو ضمني أنها كاثوليكية، إسلامية، مسيحية، يهودية أو ملحدة فهذا كله ضد العلمانية لأن حتى الدولة الملحدة هي ضد العلمانية و تتساوى بذلك مع الدولة الثيوقراطية. فمع هذا التصنيف أو التعبير عن الدولة نكون قد أصبحنا " ما تحت المواطنة " و خاصة فيما يتعلق بالأقليات التي لا تنتمي إلى الدين أو الطائفة الرسمية السائدة. في الواقع هناك استحالة مطلقة لقيام أية ديمقراطية من غير علمانية سياسية وهذا المتطلب هو مشترك بين جميع الديمقراطيين كانوا ليبراليين، مسيحيين، إسلاميين أو إسرائيليين. ضمن هذا المعنى، العلمانية ليست فريقا صغيرا sous-groupe في المجتمع سيتفق على " الاعتراف " بفريق آخر، بل إنها مبدأ لتنظيم الأشياء العامة المؤسسة على رؤية كلية شمولية للمجتمع.
ولكن بمعنى آخر، نفس الكلمة "العَلمانية" تنظر ليس فقط إلى متطلب يتعلق بالتجرد و النزاهة أو إلى استقلالية كاملة للسلطات العامة تجاه القناعات الدينية أو الفلسفية، ولكن أيضا مفهوم للحياة حيث الأسس المكونة لحياتنا ( الدولة و المجتمع ) ليست طائفية بل هي غريبة عن كل مرجعية سماوية، ما فوق طبيعية surnaturelle أو متعالية.هذا المعنى الثاني هو في نفس الوقت أكثر اتساعا ( حيث أنه يتضمن أكثر من متطلب "سهل" للفصل بين الدين والدولة ).إنه ضمن هذا المفهوم هنا، نحن نستطيع أن نستخدم المصطلح "علمانية " عندما نعرّف " بفتح الراء" أو يتم تعريفنا بشكل فردي individuel.
هذا المفهوم للحياة يتضمن ليس فقط الانعتاق بالنسبة لتقاليدنا الدينية و متعلقاتها القديمة archaïsme، و لكن بالتحديد أيضا هو الانتماء إلى " كل" القيم الإيجابية : الإنسانية، حب الآخر، المواطنة، الانعتاق، الاستقلال، السعادة، العدالة والقدرة على التمرد. مع هذه الأشياء نجرب بناء أخلاق جديدة بعيدة وغريبة عن كل متعال أو ما فوق طبيعي غير إنساني. هذا المفهوم للحياة ليس دين آخر، يمكن أن نضع مقاربة واحدة له هي الإلحاد.
إنه يضم بشكل جوهري جانبا إنسانيا وبعدا أخلاقيا. في كلمة واحدة، إنه انشغال و اهتمام بالمعنى و الجوهر الذي يمكن أن نعطيه لوجودنا و سلوكنا. كما أنه ليس بحثا لوجود مسبق " مزور" أو مجرد abstrait "سماوي "، بل بناء متعب لوجودنا الخاص فينا كبشر.
هذه العلمانية يتم الحصول عليها من "روحية أنسيّة" spiritualité humaniste مركبة و مؤلفة في "إعادة تنظيم أو تهيئة" مثالية للديني، كما يرى "إدوار ديل رويل" في كتابه " العلمانية، إنسانية كثيرة الإنسانية"، أو من مفهوم هو مادي بشكل جوهري. و الحوار حول كل ذلك يبقى مفتوحا.
ما هو يقيني، أن العلمانية كمفهوم فلسفي ليس طائفي ليس من شانه " التمأسس " institutionnalisation، لأنه كما هو في الواقع على ضوء النساء و الرجال الذين يقتسمون معنا نفس المتطلبات من الديمقراطية السياسية و من التعددية، فإنه ليس من الضروري أن يتقاسموا معنا قيمنا وفي كل الأحوال لهم رؤيتهم المختلفة ( الطائفية ) لأساس هذه القيم. و لكن نحن نطلب أن يكون هذا المفهوم للحياة " معترفا به " و كأنه شرعي مثل المفاهيم المأخوذة أو التي استلهمت من هذه أو تلك العقيدة الدينية، وأن العلمانيين ( اللاأدريين، الغنوصيين، الملحدين، الماديين...الخ ) يحصلون كمواطنين و بشكل كامل على نفس الحقوق التي يحصل عليها مواطنوهم الآخرون من ذوي القناعات الدينية أو الطائفية.
تلك النظرة الإجمالية لمبدأ العلمانية تأخذ شكل الحقيقة: حيث لا يمكن الإجبار و الفرض على الجميع، و المراجع المشتركة ( الدولة، المجتمع، الدستور، الخ ) عليها أن تكون متحررة من الوصاية التي تفرض امتيازا معينا. وحتى تكون كليا مقبولة أو مؤكدة، تلك الحقيقة تستوجب شرطين متزامنين تحقيقهما يبين الطابع الإيجابي للعلمانية: الأول، أن القوة العامة public power أو ) puissance publique، بالفرنسية ) مكشوفة موضحة أو ملكا للجميع و توضع قبل كل شيء في مقدمة ما يوحد الجميع ( وهذا مبدأ عالمي، حيث يخضع لنظرات و آراء مختلفة ووفق المجتمعات وثقافاتها ). ثانيا، كل واحد يتعلم طريقة العيش أو القناعة التي يريدها وتناسبه بشكل يكفي للبعد عن التعصب و اللاتسامح (مبدأ للتمييز الداخلي يشمل أو يضم التسامح الأهلي المدني، ويجعل بالإمكان المناقشة و الحوار ضمن الفضاء العام ). من ضمن هذه النظرة الإجمالية للعلمانية، أن العلمانية ليست نظاما للاختيار الروحي الخاص، لكنها تشكل شرطا لإمكانيته، وهذا ما يسميه Kant نطاقا استعلائيا transcendantal وهي صفة لمجموعة المبادئ المتعلقة بالفكر من دون غيره، و هي ذاتية من تجربة خاصة. " أما transcendantalisme فهي فلسفة اتبعت في مدرسة أمرسون الأمريكية والتي كانت لها ما يسمى الصوفية الأحادية". نضيف لهذه النظرة، أن العلمانية هي إمكانية عالم مشترك للبشر و التي هي في حالة رهان، إنها الهدف المنشود لكل ما يستطيع توحيد هؤلاء البشر بالرغم من اختلافاتهم الروحية مع استبعاد كل إشكال الامتيازات التي بدورها تؤدي إلى العنف. فالأديان الثلاثة الكبرى " التي لديها كتب " استوحت و استلهمت العنف الذي ينتج عن إرادة فرض" كتبها" على الجميع. و هذا ما جعل من كل واحد منها إما ضحية هنا، حيث وقعت تحت هيمنة معينة، أو جعله مصدرا للاضطهاد هناك حيث كان مسيطرا. و ارتداد الأمواج حاليا، و الذي يبدو أنه وضع الأضواء فوق المسلمين فقط، لا يمكنه أن يجعلنا ننسى كل التاريخ.
كيف " تعيش الاختلافات " من غير التخلي عن اقتسام المراجع أو "الاستنادات" المشتركة التي هي الدولة و المجتمع ويمكن إضافة الدستور؟ سؤال له مقدار كبير من الأهمية خاصة اليوم حيث التعددية من خلال قناعاتها يمكن أن تشير إلى ذلك بفسيفساء من المجتمعات الخاصة، فالأعضاء و كأنهم تخلوا أو " زهدوا " ببعض اختلافاتهم، بسبب الأخطار المواجهات بين هذه التجمعات أو الجماعات الخاصة وعلينا أن نتخيل حجم الخطر من هذه الاصطدام.
المجتمع السياسي التي تسميه التقاليد السياسية " المدينة "( في الإغريقية polis و في اللاتينية civitas ) أخذ اسم "الدولة " في مفردات القانون، و هذا تمييز دقيق و جوهري عن " الحكومة" التي يدار من خلالها. العلمانية تتعلق بمبدأ توحيد الناس أو الأفراد داخل هذه الدولة. تفترض العلمانية تمييزا في القانون بين الحياة الخاصة للإنسان كما هو، و بعده dimension العام كمواطن: إنه كإنسان خاص، في حياته الشخصية، الإنسان يتبنى قناعات روحية، دينية أو لا، و يمكن أن يتقاسمها مع الآخرين : ولكن انطلاقا من هذا، القوة العامة public power عليها ألا تخاف إذا كان التعبير عن القناعات و الطوائف يبقى متماشيا مع حق الآخر. سنلاحظ أن هذا " الانشطار" أو القدرة على الحفاظ عليه ليست عملية سهلة التطبيق دائما، خاصة أنه لم يعرف أو يعترف به كتشريع إلا في العديد من المفاهيم المتعلقة بالقانون، بسبب القلق من استقلالية الفرد، بينما العلمانية تبحث عن التضامن بين الأفراد. من هنا أهمية أو ضرورة دراسة العلاقات بين القانون و التاريخ، حتى نعيد الأخذ بالحسبان تاريخ المقاومات لفكرة العلمانية، و تقلبات مسيرة الانعتاق العلماني. من هنا أيضا الفائدة من قراءة الظواهر الاجتماعية، السياسية و الثقافية التي يمكن أن تؤثر في وضوح الخط الفاصل بين المنطقة الخاصة و المنطقة العامة فيما يتعلق بمسيرة حياة الإنسان.فالدين حملت مسؤوليته و تقلده، ومن ثم أصبح رمزا، معطينا له " نحن البشر" ترجمة أو رواية خاصة، أو شكلا من المتطلبات تجعله سابقا في الوجود أو موجودا من قبل préexistence .



</TD></TR></TBODY></TABLE>

ahmad
17-03-2007, 09:03
<TABLE id=AutoNumber37 style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#000000 cellSpacing=4 cellPadding=4 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD dir=rtl align=middle width="100%">نحو فهم أوضح للعلمانية (2): الكلمة، المفهوم </TD></TR><TR><TD width="100%"><TABLE style="BORDER-COLLAPSE: collapse" borderColor=#000000 cellSpacing=0 cellPadding=0 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD width="50%">GMT 22:00:00 2007 الخميس 15 مارس

</TD><TD align=right width="50%"><!--date -->صلاح نيوف

</TD></TR></TBODY></TABLE></TD></TR><TR><TD vAlign=top width="100%"><HR align=left width="99%" color=#c0c0c0 SIZE=1></TD></TR><TR><TD dir=rtl vAlign=top width="100%" height=238><!-- htmlplaceholder-->مفاهيم تحتاج لإعادة قراءة
يظهر تناول مصطلح و مفهوم العلمانية النزاع " العربي" على محاولات تعريفها و دلالاتها و المغالطات في الطريقة التي استخرجت بها من سياقها الغربي. و المتتبع لتناول قضايا العلمانية وتشعباتها الفكرية أو الاصطلاحية ربما يصل إلى نتيجة بأن أحد أهم أسباب معاداة العلمانية في العالم العربي هو الجهل بها أو خلطها مع مفاهيم و مصطلحات <TABLE cellSpacing=1 cellPadding=1 width=150 align=left border=1><TBODY><TR><TD>الحلقة الأولى (http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2007/3/217892.htm)</TD></TR></TBODY></TABLE>أخرى. سنتناول هنا بعض التعريفات الخاطئة المنتشرة بين أوساط المهتمين بالعلمانية و الذين أسسوا عداوة فكرية معها بناء على هذه التعريفات التي تحتاج إلى إعادة قراءة.
على موقعه على شبكة الانترنيت يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن مصطلح العلمانية " ما يزال مصطلحا غير محدد المعاني و المعالم و الأبعاد "، ثم يقدم للقارئ ترجمة بأن " العلمانية " : هي ترجمة لكلمة " سيكولاريزم Sécularisme " الإنكليزية وهي مشتقة من كلمة Saeculum و تعني العالم أو الدنيا و توضع في مقابل الكنيسة، أما هذا المصطلح فقد استخدم لأول مرة في عام 1648 وهو تاريخ معاهدة وستفاليا التي أنهت الحرب الدينية في أوربا و إعلان بداية ظهور الدولة القومية " أي العلمانية ". انتهى كلام الأستاذ الدكتور المسيري.
أما الشيخ الدكتور سفر الحوالي، يرى في كتابه " العلمانية نشأتها و تطورها و آثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة " : " أن لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Sécularisme في الفرنسية و كلمة secularity في الانكليزية، والترجمة الصحيحة لها هي اللادينية أو الدنيوية لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو كانت علاقته بالدين علاقة تضاد"، ( وسنرى من خلال النص القادم مدى دقة الرؤية و التحليل لديه ). و الترجمة الصحيحة وفق الدكتور سفر الحوالي هي " ما تورده المعاجم و دوائر المعارف الأجنبية للكلمة"، ثم يقدم الدكتور الحوالي تعريف دائرة المعارف البريطانية لهذا المصطلح secularism وهو حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، انتهى كلام الدكتور الحوالي. أما في بعض الدول العربية هناك تكفير لكل علماني لا بل شيدت قلاع على شبكة الانترنيت لمحاربتها ومن ينتمي إليها فهي حسب الكثيرين تشبه الشيوعية في الإلحاد و إنكار الذات الإلهية. ومن هنا لابد من محاربتها وفق هؤلاء، لذلك عمدوا لتقديمها و تعريفها بشكل خاطئ و مزور و مشوه هدفه تأليب التلاميذ في الجوامع و المدارس الدينية على فكرة العلمانية، علما أنها ليست حزبا سياسيا أو جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان أو جماعة تهدف لحرف الناس عن دينها. فهل بالفعل العلمانية مصطلح غير محدد المعالم و الأبعاد؟ وهل ترجمتها صحيحة؟ وهل استخدمت لأول مرة في عام 1648؟ أو أن العلمانية هي اللادينية أو على تضاد مع الدين أو تعني الدنيوية؟ و هل العلماني كافر و العلمانية تمزق المجتمع وتفرقه كما يرى المشايخ و الخطباء؟

أولا : بالنسبة لمصطلح Sécularisation
Sécularisation، هي الصيرورة التي تشير إلى المرور المتقدم من مجتمع طائفي إلى مجتمع مدني علماني. هي في العموم ظاهرة طبيعية ترافق الحداثة أو تحديث مجتمع ما. هذه الظاهرة Sécularisation لا تتوقف عند تطور سياسي و مؤسساتي للمجتمع، تطوير عقلية و تفكير الأفراد هو من أهم أسس هذه الظاهرة. أيضا هي نزع صفة القداسة عن كثير من ميادين العلوم أو التنظيم الاجتماعي.كما أنها ليست لا دينية أو ضد الأديان، فمعظم من نظروا لها أو كتبوا عنها، أكدوا على أنه لا يمكن بناء مجتمع " دنيوي إذا شئتم" من خلال منع الأديان أو قمعها. يؤكد هذا جان جاك روسو في كتابه الشهير"العقد الاجتماعي" مشيرا إلى أهمية البعد الديني في كل مجتمع : " إنه ينبغي على الدولة أن كل مواطن لديه دين يجعله يحب واجباته، لكن المعتقدات في هذا الدين لا تهم الدولة ولا أعضاءها إلا بقدر ما تحمل هذه المعتقدات إلى الأخلاق و الواجبات تجاه الآخرين ". أيضا روسو له رؤية ليبرالية " للدنيوية " : " الدين هو عامل استقرار في المجتمع و للدولة ". ولكن هذا الاستقرار و الذي الدين ضروري لأجله " لا يستطيع أن يوجد إلا بفصل كامل بين الدولة و الدين".

ثانيا ـ العلمانية.. المفهوم و الكلمة
الأصل الاشتقاقي لكلمة " العلمانية " Laïcité غني جدا و واسع. المصطلح الإغريقي Laos، يشير إلى وحدة شعب، يعتبره كلا غير قابل للانقسام أو التجزئة indivisible، و العلماني هو إنسان الشعب، الذي ليس لديه أي امتياز يميزه أو يضعه ويرفعه فوق الآخرين : لا دوره كمسؤول عن إدارة شؤون معتقد ما، ولا سلطة قول وفرض ما يقتنع أو يؤمن به. يمكن أن يكون مؤمنا بسيطا بمعتقد معين، ولكن أيضا هو الذي يستطيع أن يتبنى رؤية من العالم الغير مؤمن أو الملحد، حيث القناعة المؤسسة تختلف أو تتميز عن تلك التي يستلهمها الدين. وحدة العلمانية أو Laos هي في آن واحد مبدأ للحرية و مبدأ للمساواة. المساواة تؤسس على الحرية في المعتقد. وهذا يعني هنا أنه لا يوجد أية قناعة روحية يجب أن تمتلك اعترافا خاصا، أو امتيازات مادية أو رمزية الحصول عليها سيؤدي بشكل طبيعي corollaire إلى التمييز. إذا المعتقد لا يستطيع ولا يجب أن يكون مغتصبا " بفتح الصاد "، فهذا يعني أن يتبنى قناعاته بحرية، وهذه الحرية ستكون واحدة بالنسبة لجميع الأفراد. ( يمكن مراجعة كتاب، دافيد هيوم، " حوارات حول الدين الطبيعي" بريطانيا 1987)
وحدة العلمانية أو Laos تفهم بالتعارض مع فكرة الجماعة الخاصة، هذه " الجماعة الخاصة " تنفصل و توضع خارج الآخرين، يكون لديها حقوق و امتيازات خاصة، بل دور المشرف أو الزعيم على الآخرين.ولكن بين الخير المشترك و الناس، لا امتيازات لأحد أو لا يمكن التدخل. ضمن السياق المعاصر أو الحديث، ومن أجل التبسيط، نستطيع القول أن القناعة الخاصة للآخرين، مهما كانت من طبيعة دينية أو غيرها، لا يمكن و لا يجب أن تفرض على الجميع.الوحدة المرجعية للعلمانية ليس لها إذا أي أساس آخر سوى المساواة بين الأعضاء الذين لديهم قناعات مختلفة: إنها تمنع أن تصبح طائفة أو جماعة خاصة قاعدة عامة و تصدر قواعد للسلطة على الجميع. إنها تدعو لأحكام قانونية، تلك التي تسمح بالتعبير الحر عن كل اختيار روحي ضمن الفضاء العام، على ألا يكون " الاختيار" ناتج عن سلطان أو نفوذ ما.
المساواة، الحرية : الإضاءة الاشتقاقية لمفهوم العلمانية تسمح إذا بتلخيص تعريف العلمانية الإيجابي. العلمانية هي التثبيت و التأكيد الأصلي و الأساسي للشعب كوحدة أو اتحاد من الناس الأحرار و المتساوين. الحرية المقصودة هي بشكل جوهري حرية الاعتقاد، و التي لا تخضع لأي قانون في الإيمان"credo " أو عقيدة إجبارية. أما المساواة هي تلك التي تخص أوضاع الأفضليات préférences الروحية الشخصية. ملحد أو مؤمن، موحد أو مؤمن بعدة آلهة : و في أي حال من الأحوال لا يمكن و ليس بالإمكان تأسيس طبقة hiérarchie على أي اختيار نختاره من بين أوضاعنا الروحية السابقة. فالعلمانية هي المجتمع السياسي في داخله كل منا له وجوده و يضمن الاعتراف بنا جميعا، و الاختيار الروحي يبقى شأنا خاصا. هذا " الشأن الخاص" يمكن أن يأخذ بعدين : الأول هو شخصي بشكل قوي وكبير و فردي أيضا، الثاني جماعي ( ولكن في هذه الحالة المجموعة التي تشكّل بطريقة حرة لا يمكنها الادعاء بالتكلم باسم الآخرين أو باسم المجتمع ككل)، ولا احتلال , أو استعمار الفضاء العام لصالحها. لماذا؟ لأن الارتباط هنا ضمن مجموعة أو طائفة أو دين هو شخصي وليس باسم المجتمع المشترك الذي يربطنا جميعا.
الفضاء العلماني المفهوم و المدرك لا يبنى من خلال إلحاق أو إضافة " الاختلافات المجتمعة "، ولكن بتنمية مخطط " مرجع " يتفوق عليها " أي على الاختلافات " ولكن لا ينكرها، لأنه " هذا المخطط المرجع" يقدم متطلبات مختلفا كليا عن مكوناته أو عن الأجزاء التي تكونه التي هي الاختلافات المجتمعة. المراجع المشتركة للجميع، موجهة للرقي و الارتفاع بكل ما يوحد الناس،ومن جانب آخر، اختلافاتهم لن تكون مطبوعة بطابع الاختيار الخاص لكل واحد، ولا تمتص " بضم التاء" في فسيفساء من " الهويات الجماعية"، من غير أن نعرّض للخطر وظيفة الدولة كعامل في تعميم أو إشعاع القيم.
معاينة أو تحليل أكثر فأكثر يأخذ أهمية في مجتمعات توصف أو يمكن أن ندعوها " متعددة الثقافات" multiculturalisme أو تعددية ثقافية pluralisme culturel، من غير أن تبتعد هذه المصطلحات كثيرا عن الغموض و الذي يشار إليه على أنه أكثر ارتفاعا من مفهوم الثقافة. غموض يشبه في معنى واحد مفهوم"الهوية الجماعية". و لكن ألا يوجد،عكس ذلك،هوية إلا الهوية الفردية؟ سؤال سارتري " من جان بول سارتر" و الذي يمكن أن يبطل كل الحتميات المتعلقة بالهوية، و يعلن أو يسجل الانعتاق العلماني للشخص الذي يعيش في إحالة إنكار لقدره.
الحيادية الطائفية للدولة العلمانية لا يعني أنها من الآن فصاعدا غير متحيزة أو مكترثة بكل قيمة أو مبدأ. على العكس من ذلك. في الواقع، الاختيار المتزامن لحرية المعتقد و المعزز بمعرفة " انعتاقية "، للمساواة في الحقوق والمعلن عنها في كل قوانين و إعلانات و بيانات تأكيد حرية التعبير عن الذات، لتعميم فضاء من المرجعية و الخير للجميع، ليس له تأثير على إزالة الأنسجة الحية نسبيا للدولة dévitalisation المدركة و المفهومة " كمدينة سياسية". إنه من جهة أخر لغريب جدا أن الحديث المعادي للعلمانية يستطيع بحركة واحدة اتهام " العلمنة " laïcisation بإنضاب الإلهام الأخلاقي للدولة و بتقديس العلمانية. فيما يتعلق بخيبة أمل العالم المنقولة إلى الدولة و التي أشار إليها " ماكس فيبر"، لا بد من الإشارة أنه لم يكن هناك في البداية معنى أو إحساس ضياع المعالم، و لكن إنها إعادة تعريف للحالات و الأوضاع و النماذج لهذه المعالم. ( يمكن مراجعة الكتاب الشهير، لماكس فيبر " الأخلاق البروتستنتية و روح الرأسمالية )
حيادية الفضاء العام العلماني لا يمكن إذا نسبه إلى خطأ أو سوء بالفهم : إنها لا تشرح وتوضح أية نسبية، و لا تختصر بكل تأكيد إلى عملية قانونية تعسفية يقوم بها حكم قضائي أو أحكام قانونية " تدير التعددية الدينية". فالحيادية الطائفية ليست إلا وجه آخر للميدالية و التي هي متجردة من قلق التعميم و القيم المشتركة للجميع. إذا هي ليست متعارضة مع التعددية، بل تساعد في إمكانيتها ونشرها، كما أنها ليست متعارضة مع فصل الديني عن السياسي، لأن هذا الفصل يشكل لها بنفس الوقت شرطا وضمانا.
بالاستناد إلى ما سبق، يوجد شكلان للسخرية من هذه الحيادية. إما أن نعطي امتيازا مفتوحا أو جانبيا لطائفة معينة. مفتوحا : مع دين الدولة، جانبيا : عبر نظام متصالح معها. و إما أن نترك الفضاء العام بكليته للاستثمار أمام الطوائف، و الجماعات الاستئصالية العنصرية والتي تميز بين ملحد و مؤمن،وهنا نخاطر بالقضاء على المراجع العامة المشتركة تحت فسيفساء الخصوصية المعترف بها و المكرسة فعلا. الفضاء العلماني إذا ليس متعدد الطوائف و ليس بطائفة واحدة : إنه غير طائفي.
فكرتان كبيرتان لا بد إذا من إدخالهما في الفضاء العلماني. أولا، وضع خط فاصل بين المشترك للجميع، و بين الحرية الفردية، أو الحياة الخاصة. ثانيا، سيادة الإرادة التي هي مصدر قواعد الحياة المشتركة. جان جاك روسو، أصر على أن " المجتمع الإنساني عليه أن يكون اتحادا حقيقيا، على أعضائه الموافقة على المبادئ التي تؤسسه. هذه الموافقة توجد وفق أشكال متعددة، حيث تبنيها من خلال التصويت على دستور معين هو الشكل الأكثر وضوحا، ولكن إذا التوافق على الحياة المشتركة لم يصدق عليه من خلال المبادئ القانونية التي تنظم الحياة المشتركة فإن هذا الشكل لن يكون له قيمة وسيكون أخرسا. ( للتوسع في قراءة الفضاء العلماني يمكن مراجعة كتاب، ما هي العلمانية، و كتاب العلمانية و الجمهورية، هنري بينزا و كوك غي، باريس 2003 و باريس 1995 ). ( انظر أيضا، Rousseau,J.J « Lettre à Christophe de Beaumont », Paris 1964.
العلمانية إذا هي مرجع و أساس للشيء المشترك بين الجميع المختلفين روحيا. نحن نعلم أن مفردة "ديمقراطية" تحتوي مصطلحا آخرا، demos، الذي يشمل هذه المرة هنا الشعب بوضعه كمجتمع سياسي. ديمقراطية و علمانية، بمعنى واحد، ترجعان إذا لفكرة واحدة : فكرة سيادة الشعب على نفسه، حيث لا يخضع لأية قوة أخرى لا يكون هو مصدرها. من هنا يستطيع أن يمتلك الشعب تلك القوة، و إلا الناس الذين يحكمون بعضهم سيستثمرون تلك الظروف و يضعون بعضهم خارج السيادة. فكرة العلمانية تهدف بدقة إلى وحدة الشعب صاحب السيادة، مؤسسة على المساواة الصارمة في الحقوق بين أعضاء هذا الشعب. إنها تشير إذا للخير المشترك كمرجعية للجميع، إلى المدينة " الجمهورية " كأساس و أفق للديمقراطية. طبعا هذا لا ينسجم مع سيطرة مجموعة أو قسم من الناس على سلطة طائفية و على كل شيء. من خلال هذا النوع أو الشكل من السلطات، التاريخ أعطى أمثلة كثيرة، و كانت دائما في تعارض مع حرية المعتقد و مع المساواة الأخلاقية و القانونية. هذا الشكل يمكن أن نسميه بالكهنوت " إما مسيحي أو إسلامي أو يهودي أو غيره" و الذي يشكل تضادا أو تناقضا antithèse مع العلمانية. هذا الكهنوت سيكون مكانا للبحث في مقال قادم.

</TD></TR></TBODY></TABLE>