الحركات الاجتماعية في لبنان
(1)
عبد الله محي الدين*
شهدت نهاية القرن العشرين سلسلة من التغييرات العميقة في العالم، بدءاً بإعادة تجديد الرأسمالية لنفسها، من خلال الثورة التكنولوجيا، والانقلاب على دولة الرفاه التي أرست معالمها الكينزية خلال عقود ثلاثة في ظل الحرب الباردة، مروراً بانهيار نموذج الاشتراكية الذي طبع القرن الماضي بسمته، والعدوان الاطلسي على العراق عام 1991 الذي اعلن رسمياً عن بداية مرحلة جديدة في النظام العالمي، وصولاً إلى انتقال العولمة من طابعها الثقافي والاقتصادي، إلى طابعها العسكري والامني منذ مطلع الالفية الثالثة.
إن سلسلة هذه التغييرات، فرضت ضرورة إعادة القراءة في الطروحات النظرية التي كان قد سبق وتوصلت إليها البشرية خلال القرنين الماضيين من عمر الرأسمالية، هذه الطروحات التي حاولت أن تستشف إمكانيات التغيير الاجتماعي ومواجهة الظلم والوصول إلى مجتمع تتمتع به البشرية بحياة لائقة وكريمة.
اتجاهات وتكتيكات الحركات الاجتماعية
اعتبر ماركس أن الثورة الفرنسية عام 1848 عبرت عن انتفاضة الشعب ضد الظلم والقهر الذي يتعرض له. وقام ماركس بدراسة هذه التجربة وتوصل إلى ضرورة وجود الاداة السياسية التي عليها أن تشكل العامل الذاتي الذي يتفاعل مع العامل الموضوعي من اجل استلام السلطة عن طريق الثورة. وأن تكون هذه الاداة ( الحزب) قادرة على السير قدماً من اجل تحقيق اهدافها.
وفي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وبتأثير من اطروحات المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، طرح السؤال "ما هي التكتيكات التي تسمح بالوصول إلى سلطة الدولة. ويمكن تلخيص الخيارين المطروحين، بإيجاز، بالبرلمانية التطورية مقابل الانتفاضة الثورية"[1] ومبرر هذا الطرح هو توسع حركة التصويت داخل المجتمعات الرأسمالية وبالتالي إمكانية الوصول إلى السلطة عن طريق المشاركة في الانتخابات النيابية.
شهدت الاجابة على هذا السؤال تجاذباً بين اتجاهين: الاتجاه الأول رأي أنه يمكن الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، وبرز هذا الخيار عند أحزاب "البروليتاريا" الاوروبية التي استبدلت خيار إقامة "ديكتاتورية البروليتاريا" على أنقاض النظام الرأسمالي بخيار النضال من ضمن هذا النظام لاجراء اصلاحات والدفاع عن المكتسبات المحققة. أما الاتجاه الثاني فاعتبر أن الرأسمالية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انهيارها، ولن تسمح لهذه "الديمقراطية" ان تهدد سلطتها، وبالتالي "من هنا كان على البروليتاريا أن تهيئ نفسها لنزاع شاق ، أو "للثورة".[2] وجاءت التجربة التشيلية لتؤكد أن نجاح خيار الانتخابات غير مضمون، لا سيما في دول الاطراف وجاءت التجربة الصينية والغيفارية في أمريكا اللاتينية، لتنعش خيار الكفاح المسلح وحرب العصابات.
إن التباين بين هذين اتجاهين، وجدا لهما أرضاً في لبنان بين دعاة "النضال البرلماني السلمي" وبين دعاة " العنف الثوري المنظم"، واستمد كل منهما مرجعيته من النضال والتحركات التي شهدها لبنان وسوريا منذ مطلع القرن الماضي. فدعاة النضال "البرلماني السلمي" تمتد جذورهم في العمل النقابي منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي، الذي استمر متقطعاً حتى السبعينات. ودعاة "العنف الثوري المنظم" استمدوا جذورهم من الانتفاضة المسلحة ضد الفرنسيين في سوريا ولبنان، وتجددها في الصراع العربي- الصهيوني، من خلال التأكيد الكفاح كخيار لتحرير فلسطين.
وفي هذه الحقبة بالذات، جاءت "انتفاضة الطلاب" عام 1968 ليس ضد الحكومات الرأسمالية فقط، وإنما ضد أحزاب "البروليتاريا" التي غرقت في اللعبة الانتخابية، وعجزت عن تحقيق الحلم بالتغيير، خاصة وأن عدداً من الاحزاب الديمقراطية قد دخل لعبة المشاركة في السلطة في العديد من الدول الرأسمالية، إلا أنها لم تستطع ان تحقق الاهداف التي كانت تطرحها.
طرحت انتفاضة الطلاب ضرورة تركيز النضال على المطالب الفئوية مثل الشباب والنساء، وأن لا يصار فقط إلى الحديث عن السياسات العامة والقضايا الكبرى. كما كان لهذه الانتفاضة الاثر على إعادة النظر في تكتيكات النضال التي سبق وأن اعتمدت ولا سيما طريق النضال البرلماني عبر الانتخابات. حيث برزت مجموعات ذات منشأ ماركسي، ذهبت أكثر فأكثر نحو فكرة "البؤرة الثورية" مع أقلمتها وظروف المجتمع الاوروبي، فلم تذهب إلى الادغال بعيداً عن المدن، وإنما التجأت إلى ادغال الابنية في المدن، وبدأت بممارسة "حرب عصابات" ضد رموز الرأسمالية السياسية والاقتصادية. لكن هذه الجماعات بقيت حالات طليعية في المجتمع، ولم تتحول إلى حركات اجتماعية شعبية.
ولكن بعد مضي ما يقارب العقد من الزمان على هذه الانتفاضة، استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها، في الوقت الذي تفاقمت فيه أزمة النموذج الاشتراكي المطبقة في المنظومة الاشتراكية والتي بدأت في بولونيا مع بروز نقابة التضامن "العمالية" التي وجهت ضربة موجعة للنظام الاشتراكي، ثم انتشر الضعف والوهن في باقي المنظومة، والذي توج لاحقاً في انهيار "طليعتها" الاتحاد السوفياتي. وقد انعكس هذا الانهيار على انظمة حركات التحرر الوطني التي وجدت نفسها تحاول عاجز عن تحقيق الخيار الذي وضعته نصب أعينها وهو اللحاق[3] بالنظام الرأسمالي، فتفاقمت ازمتها، ووجدت نفسها مجدداً أمام علاقة غير متسقة مع المراكز الرأسمالية، فإما أن تنهار، أو أن تعمق علاقة التبعية لهذه المراكز، فاختارت الاغلبية العلاقة الاخيرة.
إن قدرة النظام الرأسمالي على تجديد نفسه، أعطى له، في ظل سيطرته على العملية الاقتصادية والسياسية والاعلامية، وفي ظل الثورة التقنية، إمكانية أن يفرض سيطرته على العالم من خلال ما أصبح يعرف بالعولمة.
لقد اتخذت سياسات السيطرة على العالم أبعاد متعددة، بدأت اقتصادية من خلال فرض سياسات اعادة التكييف الهيكلي على دور الدولة الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، والتي تعززت بفرض تكييف هيكلي يطال بنى المجتمعات وقواها من خلال آليات العمل التي يتم تسويقها عبر الدور المتزايد للمنظمات غير الحكومية والتي تتسق منهجية تدخلها مع سياسات التكييف التي طالت البني الفوقية للدولة. كما أن سياسات "الدمقرطة"· التي تفرضها الدول الامبريالية على المجتمعات التي كانت اشتراكية وعلى بلدان العالم الثالث، تلعب دوراً في إعادة هيكلة المجتمع بما يؤمن استدامة السيطرة الرأسمالية على هذه المجتمعات.
وتتعزز السيطرة الرأسمالية من خلال العولمة العسكرية والامنية التي بدأت غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 بغزو أفغانستان ومن ثم غزو العراق التي أعلن طوني بلير في اجتماع القمة الاوروبية في آذار /مارس 2003 "أن هذا الحرب سترسم طبيعة العلاقات الدولية لجيل كامل".
في ظل كل هذه التحولات التي خلقت ظروف ومعطيات جديدة، فإن الحركات الاجتماعية القديمة تعيش أزمة، وتحاول أن تتلمس هويتها الجديدة، لبلورة استراتيجيتها ووسائل نضالها، وخصوصية الوسائل التي ستعتمدها.
إن العقد الاخير من القرن العشرين وبدايات العقد الاول من القرن الواحد والعشرون تشير إلى أن شراسة الهجمة الامبريالية الاميركية على شعوب الاطراف قد ازدادت، وأن فرص الخروج من هذه السيطرة قد تضاءلت بسبب عملية التكييف الهيكلي للاقتصاد العالمي التي تضمن المصالح السياسية والاقتصادية الاستراتيجية للامبريالية الاميركية. وفي ظل هذه الظروف الجديدة يطرح التساؤل حول استراتيجيات الحركات الاجتماعية، هل ما زالت الاشكال التقليدية السابقة تؤمن امكانية احداث عملية تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي، في الوقت الذي نشهد فيه تراجع ملموس لدور الحركات الاجتماعية التقليدية، بسبب تغيير الظروف المحيطة بها، فمثلاً نموذج النقابة ، فهل ما زال قادراً على استقطاب العمال في ظل التغييرات التي طرأت على شروط العمل المأجور؟ وهل ما زالت المشاركة في الانتخابات، وخصوصاُ في بلادنا العربية وفي دول العالم الثالث، يمكن أن تشكل وسيلة للتغيير الاجتماعي؟ وهل أن آليات "الدمقرطة" التي تفرض على مجتمعاتنا ممكن أن تساهم في عملية التطور الاجتماعي والسياسي، وهل يمكن للمناضلين ضد النظام الرأسمالي وآليات استغلاله، أن يجدوا في هذه العملية، شكل من أشكال التغيير الاجتماعي؟
وقبل الاجابة على هذه الاسئلة، لا بد لنا أن نلقى الضوء على تاريخية الحركات الاجتماعية في لبنان خلال القرن الماضي، في محاولة لالقاء الضوء على نشوئها ومراحل تطورها، والاساليب النضالية التي اعتمدتها والمكاسب التي حققتها، وما آلت إليه أوضاعها بعد الحرب الاهلية في لبنان.
الحركات الاجتماعية في بداية القرن العشرين
بين النضال المطلبي و التحرر الوطني؟
لقد عمد معتنقي الماركسية إلى التركيز على الدروس التي استخلصها ماركس من تجربة كومونة باريس، ولا سيما التركيز على ثنائية العلاقة بين حركة العمال (النقابة) وبين التنظيم السياسي (الحزب)، ووضع الصراع الطبقي في المرتبة الاولى، وأغفل العوامل الاخرى التي تدعم السيطرة والاستغلال في مرحلة الامبريالية، ونضال شعوب المستعمرات لنيل استقلالها، ولاسيما حركات التحرر الوطني والانتفاضات التي تنشأ في أطراف النظام الرأسمالي.
إن سيطرة البعد الاقتصادي، أدى إلى تركيز المتمركسين في بداية القرن، على البعد الطبقي في الصراع، في الوقت الذي كانت تتعرض المنطقة لغزو اجنبي أستفز المشاعر الوطنية والقومية، وولد انتفاضة مسلحة. في هذه الاثناء كان المتمركسين أكثر تركيزاً على البعد الطبقي المطلبي، مغفلين البعدين الوطني والقومي، متعاملين مع سلطات الاحتلال الفرنسي باعتبارها سلطة انتداب تمارس عملية الاستغلال الطبقي ضد الشغيلة، وليس سلطة احتلال تستعمر أمة وتستفز مشاعرها القومية وتسلب خياراتها، وتعمل على تقسيمها وشرذمتها وإضعافها.
إن تلمس الفارق بين الاتجاه القومي والاتجاه الماركسي يبرز من خلال تتبع حركة كل من الاتجاهين غداة الحرب العالمية الاولى. ففي الوقت الذي كانت المعارك مندلعة بين دعاة الوحدة والاستقلال وقوات الاحتلال الفرنسي في سوريا ولبنان، كانت الحركة النقابية والحزب الشيوعي اللبناني (حزب الشعب اللبناني سابقاً) منغمسين في تنظيم العمال في نقابات عمالية. وكان هذه التوجه تعبيراً عن أمل لدى بعض اللبنانيين، بإمكانية "خلق دولة ديمقراطية برجوازية ولو كان ثمن ذلك، القبول بنوع من الوصاية المؤقتة. وقد تم في هذا الاطار استعمال لفظة "نقابة" الحديثة سنة 1919، لخلق جو ملائم للوصاية الفرنسية على لبنان لدى جماهير الشغيلة"[4].
إن هذا الاستنتاج الذي توصل إليه جاك كولان في كتابه عن الحركة النقابية في لبنان، والذي يحيله إلى أغلبية اللبنانيين، لم يكن سوى موقف أغلبية المسيحيين في "إمارة جبل لبنان" ذات الامتيازات الاقتصادية والسياسية والثقافية في العلاقة مع الغرب عامة وفرنسا خاصة، قبل قرن من الاحتلال الفرنسي للمنطقة.
إن تبلور الحركة الاجتماعية في لبنان خاصة وفي المشرق العربي عامة، كان نتيجة فعل المقاومة التي أبداه السكان المحليون ضد الاحتلالات الاجنبية التي حاولت أن تبسط سلطتها على المنطقة.بدءاً من الاحتلال الفرنسي والانكليزي غداة الحرب العالمية الاولى، مروراً باغتصاب فلسطين عام 1948 وعدوان 1967 وصولاً إلى احتلال اجزاء من لبنان عام 1982. لقد اتسم القرن الماضي بسمة المقاومة نتيجة لاستمرار العدوان والاحتلال، وهذا أدى إلى أن يكون الفعل المقاوم هو أحد المكونات الرئيسية للحركة الاجتماعية في المشرق العربي بدءً من فلسطين مروراً بلبنان وسوريا وصولاً إلى العراق الآن.
منذ مرحلة الاحتلال العثماني للمنطقة العربية كانت تبرز الحركات المعارضة لعملية التتريك التي حاولت السلطنة فرضها على هذه المنطقة المحاذية لها، التي كانت تشكل العمق الاستراتيجي الجغرافي والبشري والسياسي في صراعها مع الدول الاوروبية. هذه المحاولات التتريكية ساهمت في تبلورت حركات الاعتراض الوطنية والقومية ذات الابعاد الاستقلالية. وجاءت مرحلة الاستعمار الفرنسي والانكليزي، ومخططات إعادة رسم خارطة المنطقة لتستفز المشاعر الوطنية. ان عملية نزع مناطق عن سوريا وضمها إلى إمارة جبل لبنان واعلان "دولة لبنان الكبير" دفعت بالاكثرية الشعبية خارج "الإمارة "، إلى رفض هذه العملية ومطالبتها باستمرار الوحدة مع سوريا. وحدها منطقة جبل لبنان وقفت إلى جانب هذا الاعلان، لان مصالح كبار الملاكيين والبرجوازية الكومبرادورية الناشئة بدعم المحتل الفرنسي، كانت ترى في هذه العملية تأميناً لمصالحها السياسية والاقتصادية من خلال توسيع السوق الاقتصادي أمام دورها التجاري من جهة، ولتأمين المدخلات الزراعية الاساسية واليد العاملة لدعم هذا الكيان الناشئ.
لقد بدأت المطامع الاجنبية تثير المخاوف لدى الوطنيين الذي تنبهوا إلى المخاطر التي تحدق بوطنهم، فقبل اندلاع الحرب العالمية الاولى، وتحديداً في العام 1912 وبعد ان انهزمت السلطنة في حرب البلقان، "طرح على بساط البحث مسألة التقسيم الجديد للبلدان الواقعة تحت سيطرتها"[5]. فبرزت اتجاهات تطالب بإجراء اصلاحات سياسية وزيادة استقلالية الولايات العربية عن السلطنة … "إلا أن مجموعة من الكومبرادويين المسيحين العرب في جبل لبنان في آذار/مارس 1913 توجهت إلى القنصل الفرنسي في بيروت جورج بيكو، واعتبرت أن هذه الاصلاحات غير كافية وأن المسألة السورية لا يمكن ان تحل إلا باحتلال فرنسا لسوريا"[6]
وفي مقابل هذه الاتجاه تبلور اتجاه يرفض التقسيم، حيث " قررت مجموعة من الطلاب العرب في سوريا وجبل لبنان وفلسطين، الدارسين في فرنسا، الذين شكلوا "الجمعية العربية الفتاة" عقد مؤتمر لجميع المنظمات العربية[7]، حيث طرحت كبند اول على جدول الاعمال مسألة: الوجود القومي ومقاومة الاحتلال الاوروبي".[8] غير أن موازين القوى داخل المؤتمر أفضت إلى "قرار بإجراء اصلاحات لا مركزية بمشاركة المستشارين الاجانب، والطلب من حكومات الدول الاوروبية ممارسة الضغط على الباب العالي في هذا الاتجاه.[9]
واستكملت حالة الرفض هذه في سوريا ولبنان ببلورة نواة حركة سياسية ترفض الاحتلال الفرنسي وتنظم نفسها لمواجهتها. لقد بدأ نضال القوميين والوطنيين العرب في سوريا ولبنان ضد الاحتلال الاجنبي منذ اللحظات الاولى لسيطرة الاجنبي على بلادهم. فلم تمضي أيام معدودة حتى عمت المظاهرات المدن السورية واللبنانية وكان أشدها بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال الاجنبي، إذ نظم المنتدى العربي في دمشق مظاهرة كبيرة تحت شعار "الاستقلال العربي"، وفي 28 شباط 1919 جرت مظاهرة مماثلة في حلب، أطلقت القوات الانكليزية عليها النار.[10] وقبل أن يمضي عام على الاحتلال الاجنبي عقد المؤتمر السوري العام دورة جديدة في دمشق أعلن فيه "أن الامة العربية في حالة الدفاع المشروع، ودعا الشعب إلى النضال ضد المستعمرين الذين يهددون استقلال البلاد ووحدتها".[11] كما تشكلت لجنة سميت "لجنة الدفاع الوطني الاهلية "[12] لقيادة النضال.
وإلى جانب دمشق اندلعت المواجهات بين المقاومين وقوات الاحتلال في الجنوب اللبناني ومناطق الشمال، حيث عملت "لجنة الدفاع" إلى إرسال المتطوعين لدعم ثوار لبنان.[13]
لقد عمد الاستعمار إلى استخدام الحكومة الفيصلية الهاشمية لقمع حركة التحرر الوطني. إلا أن هذه المحاولات لم تنجح إذا جاء الهجوم الذي شنه الفرنسيون على دمشق في تموز/يوليو 1920 ليشق حكومة فيصل، وليدعو مع بعض وزرائه إلى الاستسلام، فيما أصرت الاقلية من الوزراء (السوريين) مع الجماهير الشعبية على تنظيم المقاومة الشعبية."[14] ففي الوقت الذي كان الامير فيصل يستسلم أمام القوات الفرنسية، ويطلق النار على المتظاهرين في دمشق، كانت مجموعة من الوطنيين السوريين بقيادة وزير الدفاع يوسف العظمة تتمرد على أوامر فيصل وتقاتل على مشارف دمشق في محاولة لمنع العدو من دخول العاصمة السورية، وقد استشهد هؤلاء الوطنيون في معركة غير متكافئة على تلال ميسلون.
لقد استطاع المحتلون الفرنسيون وبمساعدة من أعوانهم امراء الاسرة الهاشمية من دخول دمشق وفرض سيطرتهم، إلا أن أعمال المقاومة العسكرية والمدنية استمرت. وعلى المستوى السياسي "انعقد المؤتمر السوري الفلسطيني في جنيف في الوقت الذي كانت تعقد فيه الدورة الثانية لعصبة الامم، من أجل "صياغة رسالة من جميع الاحزاب السورية إلى العصبة".[15] وقد خرج المؤتمر بالتوصيات التالية[16]:
- الاعتراف بالاستقلال والسلطان القومي لسوريا ولبنان وفلسطين.
- الاعتراف بحق هذه البلاد في أن تتحد معاً بحكومة مدنية مسؤولة امام مجلس نيابي ينتخبه الشعب، وأن تتحد مع باقي البلاد العربية المستقلة في شكل ولايات (فيدرالية).
- إعلان إلغاء الانتداب.
- جلاء الجنود الفرنسوية والانكليزية عن سورية ولبنان وفلسطين.
- إلغاء تصريح بلفور المتعلق بوطن قومي لليهود في فلسطين.
إن هذه المطالب التي رفعها المؤتمر السوري الفلسطيني آنذاك، تعبر عن أن الحركة الاجتماعية في العشرينيات كانت تحمل في مضامينها أبعاداً تحررية، من خلال مطالبتها بزوال الاحتلال من جهة أولى، وديمقراطية بمطالبتها بنظام ديمقراطي برلماني منتخب من الشعب من جهة ثانية، وقومية بمطالبتها بإلغاء وعد بلفور، والاعتراف بالسيادة القومية في سوريا ولبنان وفلسطين من جهة ، وتأكيدها على الاتحاد مع باقي الدول العربية في صيغة فيدرالية من جهة ثالثة.
وهذه الابعاد الثلاثة للحركة الاجتماعية تشير إلى التأكيد على العلاقة الجوهرية ما بين هذه الابعاد عامة، ومحورية البعد القومي خاصة. وقد استطاعت هذه الحركة أن تطور من أساليب نضالها السياسية الداخلية والدولية، مروراً بالتحركات الشعبية والمظاهرات التي شملت المدن كافة، وصولاً إلى المقاومة المسلحة التي بدأت متفرقة في العام 1918، إلا أنها تجذرت وشملت أغلبية المناطق في الفترة ما بين 1925 و1927، حيث استطاعت قوات الثورة العربية آنذاك أن تبسط سيطرتها على مناطق واسعة من الاراضي السورية واللبنانية، وأن تحرج قوات الاحتلال الفرنسي، التي لم تنقذها التعزيزات التي أحضرتها إلى سوريا ولبنان، فعمدت إلى اتباع تكتيك زرع الفتنة الطائفية من خلال تشكيل " الفيلق السوري"[17] الذي ضم الاقليات غير العربية من شركس وأرمن، ومن ثم شكلت "جيش المتطوعين المسيحي" [18]بهدف "تأجيج النزاع بين المسيحيين والمسلمين لاغراق الانتفاضة في خضم المذابح الطائفية. ولقد كانت هذه المحاولة واضحة أمام قيادة الثوار التي دعت إلى عدم الانجرار في هذه الفتنة ووجهت رسائل إلى المسيحيين تعلن فيها أن الثورة موجهة ضد الاحتلال الفرنسي.
لقد استطاعت الثورة العربية خلال السنوات التسع الاولى من الاحتلال الفرنسي، ان تخوض سلسلة من المواجهات شملت كافة المناطق والمدن السورية واللبنانية (بإستثناء جبل لبنان) كان من نتائجها الحاق هزائم عسكرية بقوات الاحتلال، وإثارة حملة من التضامن معها شملت أيضاً المجتمع الفرنسي، إذ تعالت الاصوات المطالبة بالانسحاب من سوريا ولبنان.
لقد برز لدى قادة الانتفاضة الشعبية المسلحة الوعي بخطورة الاحتلال ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى على مستقبل المنطقة، وامكانيات تطورها وازدهارها الاقتصادي والاجتماعي عامة، إضافة إلى التأكيد على مطلب العزة الوطنية والقومية التي حركت المواطنين ضد الاحتلال، ودفعتهم لخوض حرب عسكرية غير متكافئة ضد الجيش الفرنسي.
إن هذه المواجهة التي خاضها سكان سوريا ولبنان في مطلع القرن، لا نغالي إذ قلنا أنها أسست لوعي مقاوم، نجد ملامحه في المراحل اللاحقة التي عرفتها هذه المنطقة، منذ اغتصاب فلسطين وتصاعد أعمال المقاومة المستمرة منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الراهن.
* باحث اجتماعي وأمين سر الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع
[1] ايمانويل فالرشتاين، الاضطراب الكبير، ترجمة اديب نعمة وعصام خفاجة، دار الفاربي بيروت الطبعة الاولى 1991، صفحة 16
[2] المرجع السابق ، الصفحة 17.
[3] لمزيد من المعلومات راجع كتاب الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنيين العشرين والواحد والعشرين للمؤلف سمير أمين، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الاولى 2002
· الدمقرطة آلية تختلف كلياً عن الديمقراطية، الاولى عملية يتم من خلالها تهديم بنى مجتمع من أجل مصالح النظام الرأسمالي، في حين أن الديمقراطية هي عملية بناء تتم من داخل المجتمع، ومرحلة من النضال نصل إليها بالتناسق مع تطور اجتماعي واقتصادي. لذا نعارض الدمقرطة ونعمل من أجل الديمقراطية.
[4] جاك كولان، الحركة النقابية في لبنان 1919 –1946، تعريب نبيل هادي، دار الفاربي بيروت 1974 ، الصفحة 428
[5] الحرب الوطنية التحررية في سوريا 1925-1927، فلاديمير لوتسكي ص 68
[6] المرجع السابقة ص 69
[7] المرجع السابق 67
[8] محاضر المؤتمر العربي الاول، ص 7.
[9] الحرب التحررية الوطنية، مرجع سابق ص 69.
[10] المرجع السابق ص 85
[11] أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى، المجلد الثاني، القاهر ، دار عيسى الحلبي. ص 194.
[12] المرجع السابق ص 101
[13] جريدة الانسانية 30/12/1919 و 2/1/1920
[14] أمين سعيد، مرجع سابق ص 185
[15] المرجع السابق ص 266.
[16] المرجع السابق ص 271
[17] الحرب التحررية الوطنية في سوريا 1925-1927. الصفحة 287
[18] المرجع السابق. الصفحة287



رد مع اقتباس