النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    عضو مميّز الصورة الرمزية DAYR YASSIN
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    Switzerland
    المشاركات
    6,914
    شكراً لك
    2,031
    شكر 3,654 مرات في 1,690 مشاركات

    افتراضي الحركات الاجتماعية في لبنان

    الحركات الاجتماعية في لبنان

    (1)

    عبد الله محي الدين*



    شهدت نهاية القرن العشرين سلسلة من التغييرات العميقة في العالم، بدءاً بإعادة تجديد الرأسمالية لنفسها، من خلال الثورة التكنولوجيا، والانقلاب على دولة الرفاه التي أرست معالمها الكينزية خلال عقود ثلاثة في ظل الحرب الباردة، مروراً بانهيار نموذج الاشتراكية الذي طبع القرن الماضي بسمته، والعدوان الاطلسي على العراق عام 1991 الذي اعلن رسمياً عن بداية مرحلة جديدة في النظام العالمي، وصولاً إلى انتقال العولمة من طابعها الثقافي والاقتصادي، إلى طابعها العسكري والامني منذ مطلع الالفية الثالثة.

    إن سلسلة هذه التغييرات، فرضت ضرورة إعادة القراءة في الطروحات النظرية التي كان قد سبق وتوصلت إليها البشرية خلال القرنين الماضيين من عمر الرأسمالية، هذه الطروحات التي حاولت أن تستشف إمكانيات التغيير الاجتماعي ومواجهة الظلم والوصول إلى مجتمع تتمتع به البشرية بحياة لائقة وكريمة.



    اتجاهات وتكتيكات الحركات الاجتماعية

    اعتبر ماركس أن الثورة الفرنسية عام 1848 عبرت عن انتفاضة الشعب ضد الظلم والقهر الذي يتعرض له. وقام ماركس بدراسة هذه التجربة وتوصل إلى ضرورة وجود الاداة السياسية التي عليها أن تشكل العامل الذاتي الذي يتفاعل مع العامل الموضوعي من اجل استلام السلطة عن طريق الثورة. وأن تكون هذه الاداة ( الحزب) قادرة على السير قدماً من اجل تحقيق اهدافها.

    وفي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وبتأثير من اطروحات المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، طرح السؤال "ما هي التكتيكات التي تسمح بالوصول إلى سلطة الدولة. ويمكن تلخيص الخيارين المطروحين، بإيجاز، بالبرلمانية التطورية مقابل الانتفاضة الثورية"[1] ومبرر هذا الطرح هو توسع حركة التصويت داخل المجتمعات الرأسمالية وبالتالي إمكانية الوصول إلى السلطة عن طريق المشاركة في الانتخابات النيابية.

    شهدت الاجابة على هذا السؤال تجاذباً بين اتجاهين: الاتجاه الأول رأي أنه يمكن الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، وبرز هذا الخيار عند أحزاب "البروليتاريا" الاوروبية التي استبدلت خيار إقامة "ديكتاتورية البروليتاريا" على أنقاض النظام الرأسمالي بخيار النضال من ضمن هذا النظام لاجراء اصلاحات والدفاع عن المكتسبات المحققة. أما الاتجاه الثاني فاعتبر أن الرأسمالية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انهيارها، ولن تسمح لهذه "الديمقراطية" ان تهدد سلطتها، وبالتالي "من هنا كان على البروليتاريا أن تهيئ نفسها لنزاع شاق ، أو "للثورة".[2] وجاءت التجربة التشيلية لتؤكد أن نجاح خيار الانتخابات غير مضمون، لا سيما في دول الاطراف وجاءت التجربة الصينية والغيفارية في أمريكا اللاتينية، لتنعش خيار الكفاح المسلح وحرب العصابات.

    إن التباين بين هذين اتجاهين، وجدا لهما أرضاً في لبنان بين دعاة "النضال البرلماني السلمي" وبين دعاة " العنف الثوري المنظم"، واستمد كل منهما مرجعيته من النضال والتحركات التي شهدها لبنان وسوريا منذ مطلع القرن الماضي. فدعاة النضال "البرلماني السلمي" تمتد جذورهم في العمل النقابي منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي، الذي استمر متقطعاً حتى السبعينات. ودعاة "العنف الثوري المنظم" استمدوا جذورهم من الانتفاضة المسلحة ضد الفرنسيين في سوريا ولبنان، وتجددها في الصراع العربي- الصهيوني، من خلال التأكيد الكفاح كخيار لتحرير فلسطين.

    وفي هذه الحقبة بالذات، جاءت "انتفاضة الطلاب" عام 1968 ليس ضد الحكومات الرأسمالية فقط، وإنما ضد أحزاب "البروليتاريا" التي غرقت في اللعبة الانتخابية، وعجزت عن تحقيق الحلم بالتغيير، خاصة وأن عدداً من الاحزاب الديمقراطية قد دخل لعبة المشاركة في السلطة في العديد من الدول الرأسمالية، إلا أنها لم تستطع ان تحقق الاهداف التي كانت تطرحها.

    طرحت انتفاضة الطلاب ضرورة تركيز النضال على المطالب الفئوية مثل الشباب والنساء، وأن لا يصار فقط إلى الحديث عن السياسات العامة والقضايا الكبرى. كما كان لهذه الانتفاضة الاثر على إعادة النظر في تكتيكات النضال التي سبق وأن اعتمدت ولا سيما طريق النضال البرلماني عبر الانتخابات. حيث برزت مجموعات ذات منشأ ماركسي، ذهبت أكثر فأكثر نحو فكرة "البؤرة الثورية" مع أقلمتها وظروف المجتمع الاوروبي، فلم تذهب إلى الادغال بعيداً عن المدن، وإنما التجأت إلى ادغال الابنية في المدن، وبدأت بممارسة "حرب عصابات" ضد رموز الرأسمالية السياسية والاقتصادية. لكن هذه الجماعات بقيت حالات طليعية في المجتمع، ولم تتحول إلى حركات اجتماعية شعبية.

    ولكن بعد مضي ما يقارب العقد من الزمان على هذه الانتفاضة، استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها، في الوقت الذي تفاقمت فيه أزمة النموذج الاشتراكي المطبقة في المنظومة الاشتراكية والتي بدأت في بولونيا مع بروز نقابة التضامن "العمالية" التي وجهت ضربة موجعة للنظام الاشتراكي، ثم انتشر الضعف والوهن في باقي المنظومة، والذي توج لاحقاً في انهيار "طليعتها" الاتحاد السوفياتي. وقد انعكس هذا الانهيار على انظمة حركات التحرر الوطني التي وجدت نفسها تحاول عاجز عن تحقيق الخيار الذي وضعته نصب أعينها وهو اللحاق[3] بالنظام الرأسمالي، فتفاقمت ازمتها، ووجدت نفسها مجدداً أمام علاقة غير متسقة مع المراكز الرأسمالية، فإما أن تنهار، أو أن تعمق علاقة التبعية لهذه المراكز، فاختارت الاغلبية العلاقة الاخيرة.

    إن قدرة النظام الرأسمالي على تجديد نفسه، أعطى له، في ظل سيطرته على العملية الاقتصادية والسياسية والاعلامية، وفي ظل الثورة التقنية، إمكانية أن يفرض سيطرته على العالم من خلال ما أصبح يعرف بالعولمة.

    لقد اتخذت سياسات السيطرة على العالم أبعاد متعددة، بدأت اقتصادية من خلال فرض سياسات اعادة التكييف الهيكلي على دور الدولة الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، والتي تعززت بفرض تكييف هيكلي يطال بنى المجتمعات وقواها من خلال آليات العمل التي يتم تسويقها عبر الدور المتزايد للمنظمات غير الحكومية والتي تتسق منهجية تدخلها مع سياسات التكييف التي طالت البني الفوقية للدولة. كما أن سياسات "الدمقرطة"· التي تفرضها الدول الامبريالية على المجتمعات التي كانت اشتراكية وعلى بلدان العالم الثالث، تلعب دوراً في إعادة هيكلة المجتمع بما يؤمن استدامة السيطرة الرأسمالية على هذه المجتمعات.

    وتتعزز السيطرة الرأسمالية من خلال العولمة العسكرية والامنية التي بدأت غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 بغزو أفغانستان ومن ثم غزو العراق التي أعلن طوني بلير في اجتماع القمة الاوروبية في آذار /مارس 2003 "أن هذا الحرب سترسم طبيعة العلاقات الدولية لجيل كامل".

    في ظل كل هذه التحولات التي خلقت ظروف ومعطيات جديدة، فإن الحركات الاجتماعية القديمة تعيش أزمة، وتحاول أن تتلمس هويتها الجديدة، لبلورة استراتيجيتها ووسائل نضالها، وخصوصية الوسائل التي ستعتمدها.

    إن العقد الاخير من القرن العشرين وبدايات العقد الاول من القرن الواحد والعشرون تشير إلى أن شراسة الهجمة الامبريالية الاميركية على شعوب الاطراف قد ازدادت، وأن فرص الخروج من هذه السيطرة قد تضاءلت بسبب عملية التكييف الهيكلي للاقتصاد العالمي التي تضمن المصالح السياسية والاقتصادية الاستراتيجية للامبريالية الاميركية. وفي ظل هذه الظروف الجديدة يطرح التساؤل حول استراتيجيات الحركات الاجتماعية، هل ما زالت الاشكال التقليدية السابقة تؤمن امكانية احداث عملية تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي، في الوقت الذي نشهد فيه تراجع ملموس لدور الحركات الاجتماعية التقليدية، بسبب تغيير الظروف المحيطة بها، فمثلاً نموذج النقابة ، فهل ما زال قادراً على استقطاب العمال في ظل التغييرات التي طرأت على شروط العمل المأجور؟ وهل ما زالت المشاركة في الانتخابات، وخصوصاُ في بلادنا العربية وفي دول العالم الثالث، يمكن أن تشكل وسيلة للتغيير الاجتماعي؟ وهل أن آليات "الدمقرطة" التي تفرض على مجتمعاتنا ممكن أن تساهم في عملية التطور الاجتماعي والسياسي، وهل يمكن للمناضلين ضد النظام الرأسمالي وآليات استغلاله، أن يجدوا في هذه العملية، شكل من أشكال التغيير الاجتماعي؟

    وقبل الاجابة على هذه الاسئلة، لا بد لنا أن نلقى الضوء على تاريخية الحركات الاجتماعية في لبنان خلال القرن الماضي، في محاولة لالقاء الضوء على نشوئها ومراحل تطورها، والاساليب النضالية التي اعتمدتها والمكاسب التي حققتها، وما آلت إليه أوضاعها بعد الحرب الاهلية في لبنان.



    الحركات الاجتماعية في بداية القرن العشرين

    بين النضال المطلبي و التحرر الوطني؟

    لقد عمد معتنقي الماركسية إلى التركيز على الدروس التي استخلصها ماركس من تجربة كومونة باريس، ولا سيما التركيز على ثنائية العلاقة بين حركة العمال (النقابة) وبين التنظيم السياسي (الحزب)، ووضع الصراع الطبقي في المرتبة الاولى، وأغفل العوامل الاخرى التي تدعم السيطرة والاستغلال في مرحلة الامبريالية، ونضال شعوب المستعمرات لنيل استقلالها، ولاسيما حركات التحرر الوطني والانتفاضات التي تنشأ في أطراف النظام الرأسمالي.

    إن سيطرة البعد الاقتصادي، أدى إلى تركيز المتمركسين في بداية القرن، على البعد الطبقي في الصراع، في الوقت الذي كانت تتعرض المنطقة لغزو اجنبي أستفز المشاعر الوطنية والقومية، وولد انتفاضة مسلحة. في هذه الاثناء كان المتمركسين أكثر تركيزاً على البعد الطبقي المطلبي، مغفلين البعدين الوطني والقومي، متعاملين مع سلطات الاحتلال الفرنسي باعتبارها سلطة انتداب تمارس عملية الاستغلال الطبقي ضد الشغيلة، وليس سلطة احتلال تستعمر أمة وتستفز مشاعرها القومية وتسلب خياراتها، وتعمل على تقسيمها وشرذمتها وإضعافها.

    إن تلمس الفارق بين الاتجاه القومي والاتجاه الماركسي يبرز من خلال تتبع حركة كل من الاتجاهين غداة الحرب العالمية الاولى. ففي الوقت الذي كانت المعارك مندلعة بين دعاة الوحدة والاستقلال وقوات الاحتلال الفرنسي في سوريا ولبنان، كانت الحركة النقابية والحزب الشيوعي اللبناني (حزب الشعب اللبناني سابقاً) منغمسين في تنظيم العمال في نقابات عمالية. وكان هذه التوجه تعبيراً عن أمل لدى بعض اللبنانيين، بإمكانية "خلق دولة ديمقراطية برجوازية ولو كان ثمن ذلك، القبول بنوع من الوصاية المؤقتة. وقد تم في هذا الاطار استعمال لفظة "نقابة" الحديثة سنة 1919، لخلق جو ملائم للوصاية الفرنسية على لبنان لدى جماهير الشغيلة"[4].

    إن هذا الاستنتاج الذي توصل إليه جاك كولان في كتابه عن الحركة النقابية في لبنان، والذي يحيله إلى أغلبية اللبنانيين، لم يكن سوى موقف أغلبية المسيحيين في "إمارة جبل لبنان" ذات الامتيازات الاقتصادية والسياسية والثقافية في العلاقة مع الغرب عامة وفرنسا خاصة، قبل قرن من الاحتلال الفرنسي للمنطقة.

    إن تبلور الحركة الاجتماعية في لبنان خاصة وفي المشرق العربي عامة، كان نتيجة فعل المقاومة التي أبداه السكان المحليون ضد الاحتلالات الاجنبية التي حاولت أن تبسط سلطتها على المنطقة.بدءاً من الاحتلال الفرنسي والانكليزي غداة الحرب العالمية الاولى، مروراً باغتصاب فلسطين عام 1948 وعدوان 1967 وصولاً إلى احتلال اجزاء من لبنان عام 1982. لقد اتسم القرن الماضي بسمة المقاومة نتيجة لاستمرار العدوان والاحتلال، وهذا أدى إلى أن يكون الفعل المقاوم هو أحد المكونات الرئيسية للحركة الاجتماعية في المشرق العربي بدءً من فلسطين مروراً بلبنان وسوريا وصولاً إلى العراق الآن.

    منذ مرحلة الاحتلال العثماني للمنطقة العربية كانت تبرز الحركات المعارضة لعملية التتريك التي حاولت السلطنة فرضها على هذه المنطقة المحاذية لها، التي كانت تشكل العمق الاستراتيجي الجغرافي والبشري والسياسي في صراعها مع الدول الاوروبية. هذه المحاولات التتريكية ساهمت في تبلورت حركات الاعتراض الوطنية والقومية ذات الابعاد الاستقلالية. وجاءت مرحلة الاستعمار الفرنسي والانكليزي، ومخططات إعادة رسم خارطة المنطقة لتستفز المشاعر الوطنية. ان عملية نزع مناطق عن سوريا وضمها إلى إمارة جبل لبنان واعلان "دولة لبنان الكبير" دفعت بالاكثرية الشعبية خارج "الإمارة "، إلى رفض هذه العملية ومطالبتها باستمرار الوحدة مع سوريا. وحدها منطقة جبل لبنان وقفت إلى جانب هذا الاعلان، لان مصالح كبار الملاكيين والبرجوازية الكومبرادورية الناشئة بدعم المحتل الفرنسي، كانت ترى في هذه العملية تأميناً لمصالحها السياسية والاقتصادية من خلال توسيع السوق الاقتصادي أمام دورها التجاري من جهة، ولتأمين المدخلات الزراعية الاساسية واليد العاملة لدعم هذا الكيان الناشئ.

    لقد بدأت المطامع الاجنبية تثير المخاوف لدى الوطنيين الذي تنبهوا إلى المخاطر التي تحدق بوطنهم، فقبل اندلاع الحرب العالمية الاولى، وتحديداً في العام 1912 وبعد ان انهزمت السلطنة في حرب البلقان، "طرح على بساط البحث مسألة التقسيم الجديد للبلدان الواقعة تحت سيطرتها"[5]. فبرزت اتجاهات تطالب بإجراء اصلاحات سياسية وزيادة استقلالية الولايات العربية عن السلطنة … "إلا أن مجموعة من الكومبرادويين المسيحين العرب في جبل لبنان في آذار/مارس 1913 توجهت إلى القنصل الفرنسي في بيروت جورج بيكو، واعتبرت أن هذه الاصلاحات غير كافية وأن المسألة السورية لا يمكن ان تحل إلا باحتلال فرنسا لسوريا"[6]

    وفي مقابل هذه الاتجاه تبلور اتجاه يرفض التقسيم، حيث " قررت مجموعة من الطلاب العرب في سوريا وجبل لبنان وفلسطين، الدارسين في فرنسا، الذين شكلوا "الجمعية العربية الفتاة" عقد مؤتمر لجميع المنظمات العربية[7]، حيث طرحت كبند اول على جدول الاعمال مسألة: الوجود القومي ومقاومة الاحتلال الاوروبي".[8] غير أن موازين القوى داخل المؤتمر أفضت إلى "قرار بإجراء اصلاحات لا مركزية بمشاركة المستشارين الاجانب، والطلب من حكومات الدول الاوروبية ممارسة الضغط على الباب العالي في هذا الاتجاه.[9]

    واستكملت حالة الرفض هذه في سوريا ولبنان ببلورة نواة حركة سياسية ترفض الاحتلال الفرنسي وتنظم نفسها لمواجهتها. لقد بدأ نضال القوميين والوطنيين العرب في سوريا ولبنان ضد الاحتلال الاجنبي منذ اللحظات الاولى لسيطرة الاجنبي على بلادهم. فلم تمضي أيام معدودة حتى عمت المظاهرات المدن السورية واللبنانية وكان أشدها بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال الاجنبي، إذ نظم المنتدى العربي في دمشق مظاهرة كبيرة تحت شعار "الاستقلال العربي"، وفي 28 شباط 1919 جرت مظاهرة مماثلة في حلب، أطلقت القوات الانكليزية عليها النار.[10] وقبل أن يمضي عام على الاحتلال الاجنبي عقد المؤتمر السوري العام دورة جديدة في دمشق أعلن فيه "أن الامة العربية في حالة الدفاع المشروع، ودعا الشعب إلى النضال ضد المستعمرين الذين يهددون استقلال البلاد ووحدتها".[11] كما تشكلت لجنة سميت "لجنة الدفاع الوطني الاهلية "[12] لقيادة النضال.

    وإلى جانب دمشق اندلعت المواجهات بين المقاومين وقوات الاحتلال في الجنوب اللبناني ومناطق الشمال، حيث عملت "لجنة الدفاع" إلى إرسال المتطوعين لدعم ثوار لبنان.[13]

    لقد عمد الاستعمار إلى استخدام الحكومة الفيصلية الهاشمية لقمع حركة التحرر الوطني. إلا أن هذه المحاولات لم تنجح إذا جاء الهجوم الذي شنه الفرنسيون على دمشق في تموز/يوليو 1920 ليشق حكومة فيصل، وليدعو مع بعض وزرائه إلى الاستسلام، فيما أصرت الاقلية من الوزراء (السوريين) مع الجماهير الشعبية على تنظيم المقاومة الشعبية."[14] ففي الوقت الذي كان الامير فيصل يستسلم أمام القوات الفرنسية، ويطلق النار على المتظاهرين في دمشق، كانت مجموعة من الوطنيين السوريين بقيادة وزير الدفاع يوسف العظمة تتمرد على أوامر فيصل وتقاتل على مشارف دمشق في محاولة لمنع العدو من دخول العاصمة السورية، وقد استشهد هؤلاء الوطنيون في معركة غير متكافئة على تلال ميسلون.

    لقد استطاع المحتلون الفرنسيون وبمساعدة من أعوانهم امراء الاسرة الهاشمية من دخول دمشق وفرض سيطرتهم، إلا أن أعمال المقاومة العسكرية والمدنية استمرت. وعلى المستوى السياسي "انعقد المؤتمر السوري الفلسطيني في جنيف في الوقت الذي كانت تعقد فيه الدورة الثانية لعصبة الامم، من أجل "صياغة رسالة من جميع الاحزاب السورية إلى العصبة".[15] وقد خرج المؤتمر بالتوصيات التالية[16]:

    - الاعتراف بالاستقلال والسلطان القومي لسوريا ولبنان وفلسطين.

    - الاعتراف بحق هذه البلاد في أن تتحد معاً بحكومة مدنية مسؤولة امام مجلس نيابي ينتخبه الشعب، وأن تتحد مع باقي البلاد العربية المستقلة في شكل ولايات (فيدرالية).

    - إعلان إلغاء الانتداب.

    - جلاء الجنود الفرنسوية والانكليزية عن سورية ولبنان وفلسطين.

    - إلغاء تصريح بلفور المتعلق بوطن قومي لليهود في فلسطين.



    إن هذه المطالب التي رفعها المؤتمر السوري الفلسطيني آنذاك، تعبر عن أن الحركة الاجتماعية في العشرينيات كانت تحمل في مضامينها أبعاداً تحررية، من خلال مطالبتها بزوال الاحتلال من جهة أولى، وديمقراطية بمطالبتها بنظام ديمقراطي برلماني منتخب من الشعب من جهة ثانية، وقومية بمطالبتها بإلغاء وعد بلفور، والاعتراف بالسيادة القومية في سوريا ولبنان وفلسطين من جهة ، وتأكيدها على الاتحاد مع باقي الدول العربية في صيغة فيدرالية من جهة ثالثة.

    وهذه الابعاد الثلاثة للحركة الاجتماعية تشير إلى التأكيد على العلاقة الجوهرية ما بين هذه الابعاد عامة، ومحورية البعد القومي خاصة. وقد استطاعت هذه الحركة أن تطور من أساليب نضالها السياسية الداخلية والدولية، مروراً بالتحركات الشعبية والمظاهرات التي شملت المدن كافة، وصولاً إلى المقاومة المسلحة التي بدأت متفرقة في العام 1918، إلا أنها تجذرت وشملت أغلبية المناطق في الفترة ما بين 1925 و1927، حيث استطاعت قوات الثورة العربية آنذاك أن تبسط سيطرتها على مناطق واسعة من الاراضي السورية واللبنانية، وأن تحرج قوات الاحتلال الفرنسي، التي لم تنقذها التعزيزات التي أحضرتها إلى سوريا ولبنان، فعمدت إلى اتباع تكتيك زرع الفتنة الطائفية من خلال تشكيل " الفيلق السوري"[17] الذي ضم الاقليات غير العربية من شركس وأرمن، ومن ثم شكلت "جيش المتطوعين المسيحي" [18]بهدف "تأجيج النزاع بين المسيحيين والمسلمين لاغراق الانتفاضة في خضم المذابح الطائفية. ولقد كانت هذه المحاولة واضحة أمام قيادة الثوار التي دعت إلى عدم الانجرار في هذه الفتنة ووجهت رسائل إلى المسيحيين تعلن فيها أن الثورة موجهة ضد الاحتلال الفرنسي.

    لقد استطاعت الثورة العربية خلال السنوات التسع الاولى من الاحتلال الفرنسي، ان تخوض سلسلة من المواجهات شملت كافة المناطق والمدن السورية واللبنانية (بإستثناء جبل لبنان) كان من نتائجها الحاق هزائم عسكرية بقوات الاحتلال، وإثارة حملة من التضامن معها شملت أيضاً المجتمع الفرنسي، إذ تعالت الاصوات المطالبة بالانسحاب من سوريا ولبنان.

    لقد برز لدى قادة الانتفاضة الشعبية المسلحة الوعي بخطورة الاحتلال ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى على مستقبل المنطقة، وامكانيات تطورها وازدهارها الاقتصادي والاجتماعي عامة، إضافة إلى التأكيد على مطلب العزة الوطنية والقومية التي حركت المواطنين ضد الاحتلال، ودفعتهم لخوض حرب عسكرية غير متكافئة ضد الجيش الفرنسي.

    إن هذه المواجهة التي خاضها سكان سوريا ولبنان في مطلع القرن، لا نغالي إذ قلنا أنها أسست لوعي مقاوم، نجد ملامحه في المراحل اللاحقة التي عرفتها هذه المنطقة، منذ اغتصاب فلسطين وتصاعد أعمال المقاومة المستمرة منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الراهن.


    * باحث اجتماعي وأمين سر الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع

    [1] ايمانويل فالرشتاين، الاضطراب الكبير، ترجمة اديب نعمة وعصام خفاجة، دار الفاربي بيروت الطبعة الاولى 1991، صفحة 16

    [2] المرجع السابق ، الصفحة 17.

    [3] لمزيد من المعلومات راجع كتاب الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنيين العشرين والواحد والعشرين للمؤلف سمير أمين، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الاولى 2002

    · الدمقرطة آلية تختلف كلياً عن الديمقراطية، الاولى عملية يتم من خلالها تهديم بنى مجتمع من أجل مصالح النظام الرأسمالي، في حين أن الديمقراطية هي عملية بناء تتم من داخل المجتمع، ومرحلة من النضال نصل إليها بالتناسق مع تطور اجتماعي واقتصادي. لذا نعارض الدمقرطة ونعمل من أجل الديمقراطية.

    [4] جاك كولان، الحركة النقابية في لبنان 1919 1946، تعريب نبيل هادي، دار الفاربي بيروت 1974 ، الصفحة 428

    [5] الحرب الوطنية التحررية في سوريا 1925-1927، فلاديمير لوتسكي ص 68

    [6] المرجع السابقة ص 69

    [7] المرجع السابق 67

    [8] محاضر المؤتمر العربي الاول، ص 7.

    [9] الحرب التحررية الوطنية، مرجع سابق ص 69.

    [10] المرجع السابق ص 85

    [11] أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى، المجلد الثاني، القاهر ، دار عيسى الحلبي. ص 194.

    [12] المرجع السابق ص 101

    [13] جريدة الانسانية 30/12/1919 و 2/1/1920

    [14] أمين سعيد، مرجع سابق ص 185

    [15] المرجع السابق ص 266.

    [16] المرجع السابق ص 271

    [17] الحرب التحررية الوطنية في سوريا 1925-1927. الصفحة 287

    [18] المرجع السابق. الصفحة287
    << ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكرا ، أو يضمّد جرحا أو يرقأ دمعا ، أو يُطهّر قلبا ، أو يكشف زيفا ، أو يبني صرحا يُسعد الإنسان في ضلاله >>

    ***********
    حياتنا توشك أن تنتهي عندما نصمت على أشياء وأوضاع خطيرة
    " مارتن لوثركنج "

  2. #2
    عضو مميّز الصورة الرمزية DAYR YASSIN
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    Switzerland
    المشاركات
    6,914
    شكراً لك
    2,031
    شكر 3,654 مرات في 1,690 مشاركات

    افتراضي

    الحركات الاجتماعية في لبنان

    (2)


    الحركة النقابية وقواها "الطليعية" تعمل على خط أخر

    لم يسعى الاحتلال الفرنسي إلى خلق برجوازية صناعية أو زراعية لبنانية، بقدر ما سعى إلى بسط سيطرته على المرافق الاساسية مثل شركة الريجي، والمرفأ وبنك لبنان وسوريا وخط سكك الحديد، مع المحافظة على مستوى تطور الحرف التي كانت قائمة على "التسلسل الهرمي التقليدي، بحسب درجات المهارة: معلم، صانع، مبتدىء"[19]. في حين أن الصناعة الخفيفة جاءت لتقتحم الريف ولا سيما في الوسط المسيحي واعتمدت "على يد عاملة هي في أكثرها من الاناث" وغير ثابتة، أما في بيروت فقد كانت أكثر استقراراً.
    في ظل هذا النوع من علاقات العمل تشكل أول اطار نقابي في لبنان، إذ كان تنظيم علاقات العمل يكون عادة ضمن ما يسمى بطوائف الحرف والمهن . وأول إطار عمالي تشكل في حزيران/يونيو من عام 1919، حيث برز في بيروت اتحاد العمال العام الذي "استقبل في الشهر ذاته لجنة كينغ-كرين وأعرب لها عن رغبة العمال اللبنانيين في أن يوضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي"[20]. وفي عام 1921 خلف هذا الاتحاد "حزب العمال العام في لبنان الكبير" الذي حدد غايته "بتحسين ظروف العمال الحياتية عن طريق التعاون بين العمال وأرباب العمل، وبين الحزب والحكومة"[21].
    وبعد ما يقرب من العام "وجه مهاجر لبناني عائد من بلاد أمريكا، ويدعى رشيد سويد، الدعوة لاجتماع في منزله قرر المجتمعون بنتيجته انشاء نقابة للعمال في زحلة"[22] التي أصبحت لاحقاً محور اهتمام أبناء المدينة المتنورين. إلا أن ما يجب الاشارة إليه أن هذه النقابة لم تكن تملك تحديد واضح لكلمة "العامل"، فقد "كانت مأخوذة بالمعنى الواسع جداً، بحيث تشمل كل الذين يعملون بسواعدهم وأدمغتهم، كما أنها غير محصورة في الاجراء".[23]
    إن هذا النوع من التشكل لاطارات عمالية لم يكن تعبيراً عن وعى العمال لاهمية هذا التشكل والتجمع في أطر تدافع عن مصالحهم، وإنما تشكلت بدافع تنويري لدى بعض من سمعوا أو تعرفوا على تجارب في الدول الاوروبية. كما أنها من حيث الممارسة لم تقم بدور نقابي وإنما كانت تنظم " نوع من العقد الذي كانت تقترحه بين الشغيلة، طالبي المساعدة ذوي المطالب المختلفة، وبين الشخصيات، وهو تطوير لتقليد معمول به على مستوى الطوائف الدينية والمحلات والاحياء والمهن".[24]
    لم يستطع كل من حزب العمال في بيروت ونقابة عمال زحلة أن يبلورا اطاراً نقابياً عمالياً. واستلزم الامر مضي فترة من الزمن، كي تبرز أطر عمالية متخصصة. ففي عام 1924 تأسست "النقابة العامة لعمال الدخان في لبنان" في بلدة بكفيا، بمبادرة من عامل التبغ فؤاد الشمالي· الذي تأثر بالتجربة العمالية المصرية. هذه المحاولة كانت الخطوة الأولى نحو تأسيس حزب الشعب اللبناني( الحزب الشيوعي حالياً) في 24 تشرين الاول 1924 بحضور جوزيف بيرجر محرر جريدة الكومنترن.
    إن هذا التشكل للنقابة على يد عمال ومثقفين متمركسين، ومن ثم تشكيل الحزب بعد أقل من ستة أشهر، تعبيراً عن التأثر بفكرة الحزب-النقابة الذي كانت تحمله الحركات الاجتماعية آنذاك والمتمثل بحتمية العلاقة بين الصراع الطبقي وبوجهها الرئيسي بين العمال وأرباب العمل.
    في اول نشاط علني الحزب، وكان احتفال الاول من أيار 1925، ألقى فؤاد الشمالي خطاباً قال فيه "الاتحاد اذا هو الضالة المنشودة. ولكن كيف نتحد ومتى يكون اتحادنا صحيحاً خالياً من الشوائب؟ الجواب على ذلك هو أنه يجب أن نتحد بالنقابات. فعلى كل عامل منا أن يسرع بالانضمام إلى نقابة تضم أبناء صناعته وحرفته، حتى يصبح لكل صناعة نقابة ولكل حرفة نقابة، ثم تتجمع جميع النقابات فتتفاهم وتتفق كلمتها على الاتحاد العام. فيتقرر تأليف نقابة نقابات العمال، فإذا وصلنا إلى هذه النتيجة نكون قد وضعنا الحجر الاساسي لنبني عليه حياتنا المقبلة أي حياة الحرية الصحيحة، فالخطة بسيطة سهلة التنفيذ أيها الرفاق".[25]
    إن هذه الخطاب في الاول من أيار يشير إلى بداية تشكل الوعي النقابي لدى طليعة عمالية، في الوقت الذي لم يكن تعبيراً عن تشكل طبقة عاملة لبنانية تعي ذاتها، وإنما كان بتأثير مباشر لوعي فؤاد الشمالي وتجربته المكتسبة من التجربة العمالية المصرية، فالدعوة إلى تشكيل النقابات عكست وعي ايديولوجي لدى المؤسسين.
    ورغم ذلك نستطيع أن نرى التمايز الذي أدخلته هذه المحاولة يتمثل بعدد من النقاط ابرزها:
    - بعكس الدعوات السابقة ولا سيما تجربة نقابة العمال في زحلة، فإن نقابة لكل حرفة وصنعة هي السمة التي طبعت تجربة نقابة عمال الدخان في بكفيا.
    - أن هذه التجربة تطمح لان تلعب دور على المستوى الوطني من خلال طرح ضرورة تأسيس نقابات متعددة.
    - التأكيد على أهمية وحدة العمال من خلال وحدة نقاباتهم في ما سمي "نقابة النقابات"
    وتعبيراً عن الوعي لاهمية عمل النقابات شكلت اللجنة التنفيذية لحزب الشعب آنذاك "لجنة تنظيم العمال بالنقابات" التي وضعت على جدول أعمالها تنظيم حركة العمال ودعم حركتها ولا سيما خلال الاضرابات التي يقوم بها العمال.وأدى هذا التحرك إلى تشديد سلطات الانتداب الفرنسية لعمل "اللجنة" فزجت بعض من أعضائها في السجن.
    لقد اتخذت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني والنقابات التي أسسها، خياراً في التعامل مع الانتداب الفرنسي، باعتباره سلطة يمكن أن تسهم في دفع عجلة التطور في البلاد، لذلك لم تدخل في تناقض سياسي ووطني معه، وإنما برز التباين والصراع عندما ارتبط الامر بتحركات عمالية ضد أرباب عمل أو مؤسسات ذات رأسمال فرنسي. لكن في خضم الثورة السورية المسلحة عامي 1925 و 1927، وانطلاقاً من مبدأ التضامن الاممي بين الشغيلة، فقد "توجه يوسف ابراهيم يزبك، رئيس الحزب الشيوعي اللبناني في ذلك الحين إلى فرنسا للعمل بالتعاون مع الحزب الشيوعي الفرنسي، لحمل العناصر التقدمية في فرنسا على توسيع حملتهم لدعم الثورة السورية"[26]والمطالبة "بالتأخي بين القوات الفرنسية والسوريين"[27].
    وفي مطلع الثلاثينات شهدنا دعوات نقابية متنوعة، عبرت عنها بعض الاشكال التنظيمية، التي بقيت محدودة، مثل الدعوة لتشكيل لجنة للعاطلين عن العمل لدى عمال التبغ، وتشكيل اللجنة الدائمة للدفاع عن كل عامل وفلاح يسجن بسبب مبادئه الاجتماعية، ومن ثم "لجنة إعانة عمال النسيج المضربين في دمشق" عام 1930، وكان هذا بتأثر "من الانتقادات التي وجهتها الاممية النقابية الحمراء"[28] إضافة إلى توجيه "نداء إلى النقابات الفرنسية"[29]. كل هذه المبادرات فتحت أكثر فأكثر نظر سلطات الانتداب التي عمدت مجدداً إلى اعتقال عدد من نشطاء الحركة النقابية و"صدرت احكام بحقهم لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ".[30]
    العلاقة مع سلطات الانتداب الفرنسية

    يلاحظ خلال فترة انطلاقة العمل النقابي في لبنان، أن الحركة النقابية لم تتعارض مع سلطات الانتداب إلا من خلال الممارسة القمعية التي كانت تواجه فيها التحركات الشعبية والنقابية، بوصفها سلطة مسؤولة عن الامن، ولم يصل هذا الاعتراض على الوجود الفرنسي باعتباره قوة محتلة ومستعمرة إلى مرحلة المواجهة المباشرة، لا سيما في الوقت الذي كانت الثورة مندلعة في مناطق سوريا ولبنان.
    ويبدو أن الصراع الذي دار في لبنان بين رافض ومؤيد لوضع لبنان تحت سلطات الانتداب، كانت الحركة النقابية بعيدة عنه، ربما لانها كانت في ذلك الوقت فتية، ولكن في مرحلة لاحقة لم نشهد أي تحرك ضد الانتداب بوصفه احتلالاً اجنبياً. وربما يعود ذلك إلى موقف كان يرى في الانتداب امكانية لوضع هذه البلاد على سكة التطور والتحديث. وأملاً في إمكانية أن "يخلق دولة ديمقراطية برجوازية".[31] لقد ركزت الحركة النقابية على الصراع الطبقي أكثر مما ركزت على الصراع الوطني القومي.
    وأولى بدايات تشكل الموقف المعارض لدى النقابات تجاه سلطات الانتداب، نجده عندما نجحت الفاشية بالوصول إلى السلطة في فرنسا، اذ برزت مواقف ونشاطات ضد الفاشية، وهذا مؤشر على غلبة الطابع الايديولوجي على موقف الحركة النقابية من الانتداب، لانه عندما ازحيت الفاشية عن السلطة، عاد الموقف إلى سابق عهده.
    غير أنه وفي أوائل الاربعينات عندما تحولت معركة "الاستقلال" إلى معركة دخلت فيها كل القوى والزعامات السياسية، وجدنا أن الحركة النقابية التحقت في هذه المعركة وشاركت في المظاهرات التي نزلت إلى الشارع.

    [19] الحركة النقابية في لبنان، ص 65

    [20] المرجع ذاته ص 95

    [21] المرجع السابق ص 95

    [22] المرجع السابق ص 103

    [23] المرجع السابق ص 109.

    [24] المرجع السابق ص 109

    · فؤاد الشمالي ، ولد عام 1894 في كسروان، وكان والده يعمل مترجماً لدى شركة للسكك الحديدية،تابع تعليمه الابتدائي في مصر حيث استقرت أسرته، ودخل ميدان العمل عام 1910 في معمل للسجائر في القاهرة وطرد من القاهرة عام 1923 من جراء تهمته بنشر الدعاية البلشفية، وكان عضواً في الحزب الشيوعي المصري.

    [25] المرجع السابق ص 123

    [26] الياس البواري، تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان، 1908-1946، دار الفارابي بيروت 1986الجزء الاول، الصفحة 128 و129.

    [27] الحرب الوطنية التحررية في سوريا، مرجع سبق ذكره. الصفحة 206.

    [28] المرجع السابق ص 218

    [29] جريدة العمال، العدد الثاني، اول كانون الثاني /يناير 1930 0اسس هذه الجريد النقابي الشيوعي فؤاد الشمالي)

    [30] الطبقة العاملة، مرجع سابق ص 220

    [31]جاك كولان،تاريخ الحركة النقابية في لبنان، مرجع سابق الصفحة
    << ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكرا ، أو يضمّد جرحا أو يرقأ دمعا ، أو يُطهّر قلبا ، أو يكشف زيفا ، أو يبني صرحا يُسعد الإنسان في ضلاله >>

    ***********
    حياتنا توشك أن تنتهي عندما نصمت على أشياء وأوضاع خطيرة
    " مارتن لوثركنج "

  3. #3
    عضو مميّز الصورة الرمزية DAYR YASSIN
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    Switzerland
    المشاركات
    6,914
    شكراً لك
    2,031
    شكر 3,654 مرات في 1,690 مشاركات

    افتراضي

    الحركات الاجتماعية في لبنان

    (3)


    ولادة الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان

    لقد شكل تغيير ولاء سلطات الانتداب في لبنان من حكومة فيشي إلى حكومة فرنسا الحرة، أثر ايجابياً على الحركة النقابية في لبنان، حيث تم اطلاق سراح المعتقلين من الحركة النقابية، وعاد النشاط العلني يحتل مكانة أساسية في عمل النقابات.
    كما انعكس هذا التغير السياسي في سلطات الانتداب على التشريع العمالي، حيث صدر ولاول مرة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1941 عن المندوبية العامة قراراً يحدد الحد الادنى للاجور، والحق بقرار يطال غلاء المعيشة، وقرار أخر يخلق سلطة قضائية في كل محافظة للنظر في الخلاف بين العمال وأرباب العمل.
    كل هذه التدابير التشريعية والسماح بالعمل العلني ساهم في خلاق مناخ ملائم لتعزيز العمل النقابي وتوحيده، فتصاعدت التحركات المطلبية في العديد من المؤسسات والقطاعات العمالية. وتوجت هذه التحركات بتشكيل الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان عام 1945 على اثر اجتماع ضم 12 نقابة وجمعية عمالية وانتخب لرئاسة الاتحاد النقابي مصطفى العريس، إلا أن وزارة العمل عمدت عام 1948 "إلى حظر عمل الاتحاد واعتقلت رئيسه، وانشأت اتحاداً جديداً باسم جامعة النقابات"[32]. واستمر عمل الاتحاد محظوراً إلى أن رخص إليه عن طريق وزير العمل عام 1966 جميل لحود متحدياً ضغوطاً كبيرة مورست عليه لعدم الترخيص.
    وخلال الخمسينات والسيتينات، استمر نضال الحركة النقابية في لبنان مركزاً على القضايا المطلبية العمالية، إن كان على مستوى التشريعات التي تنظم العلاقة بين أرباب العمل والعمال داخل مؤسسات العمل، أو على مستوى السياسات الاجتماعية التي تؤثر على ظروف العمال والفئات الاجتماعية الكادحة. كما تخلل هذه المرحلة نضالاً سياسياً ارتبط بقضية الصراع العربي-الصهيوني، والاعتداءات الصهيونية على لبنان. حيث تصاعدت الحركة الاحتجاجية في لبنان، وكان في طليعتها القوى السياسية والحركة الطلابية، والتحقت فيها باقي الحركات الاجتماعية الاخرى.
    على أثر حل الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان عام 1948، عمدت السلطات إلى قمع نشاطه " وشجعت على قيام نقابات واتحادات ذات ميول معادية للشيوعية، مما أدى إلى ظهور انقسامات حادة داخل الحركة النقابية الفتية على اسس ايدلولوجية".[33] وتمثلت هذه المحاولات بتأسيس جامعة نقابات العمال والمستخدمين عام 1948، من أربع نقابات انشقت على اتحاد نقابات العمال والمستخدمين ذو الميول الشيوعية، ثم تبعها بعد ذلك تأسيس اتحاد سمي اتحاد النقابات المستقلة في العام 1954 من نقابات انشقت عن كل من الاتحادات السابقة.[34] وفي العام 1958 تأسس الاتحاد العمالي العام من ثلاث اتحادات ذات ميول يمينية.


    واقع الحركة النقابية راهناً

    يبلغ عدد الاتحادات النقابية في لبنان (عام 2000) والموجودة ضمن الاتحاد العمالي العام 37 اتحاداً، منها 14 اتحاد تأسس قبل الحرب، وتضم هذه الاتحادات 210 نقابات عمالية فيها 58690 منتسباً، بمعدل 279 منتسب إلى كل نقابة[35]. ووصل عدد النقابات إلى حوالي 300 نقابة عمالية أواخر العام 2002.[36] وتشير هذه الارقام إلى كثافة عملية التفريخ للنقابات، حيث عمدت القوى السياسية والاطراف الممثلة داخل أو خارج الاتحاد العمالي العام إلى الاكثار من تأسيس النقابات ومن ثم الاتحادات، لتزيد من حصتها داخل الاتحاد العمالي العام، ذلك أن الصيغة التنظيمية تقضي بوجود مندوبين عن كل اتحاد بغض النظر عن عدد النقابات المنضوية فيه. وقد استفادت القوى الطائفية والقوى الممثلة في السلطة من هذه العملية للسيطرة على قرار الاتحاد ديمقراطياً.
    إن حركة تأسيس أغلبية النقابات سواء في المراحل الاولى أو مؤخراً، تشير إلى أن هذه الحركة لم تكن تعبيراً عن وعياً نقابياً، وليست انعكاساً لمستوى من تطور الوعي الاجتماعي العمالي، إنما هو انعكاساً لطبيعة الاجتماع السياسي اللبناني الطائفي، القائم على تبلور قوى وزعامات طائفية تلعب الدور الاساسي في الامساك بحركة الشارع كلما تبين أنه ممكن أن يخرج من يدها. لقد شهدنا حركة متعاكسة إذا برز " نمو بطيء لوعى العمال لاهمية التنظيم والانتساب النقابي، تقابلها وتيرة متسارعة لنشوء النقابات والاتحادات الهزيلة والهشة وغير الممثلة فعلياً لقواعد واسعة"[37]
    إن صورة الاتحاد العمالي الان، وخلال السنوات العشر الماضية تشير إلى أن نشاطه، وإن كان يعبر عن حاجة ملحة في المجتمع من خلال مطالبته بتصحيح الاجور واقتراح بعض الاصلاحات والضمانات الاجتماعية للعمال والفئات الكادحة، إلا أنه كان جزءاً من الصراع بين أركان السلطة انفسهم، ولعل الانتخابات التي جرت عام 1994 والتي أدت إلى انشقاق الاتحاد، وتحوله إلى اتحادان، مؤشر على هذا الاستنتاج، إذ أن المرجعيات السياسية في السلطة قد انقسمت بين القوى المتصارعة على رئاسة الاتحاد، فدعمت كل مرجعية مؤيديها.
    إن واقع الحركة العمالية اليوم يشير أنها تتأرجح بين نقابات واتحادات عمالية كانت قبل الحرب الاهلية تلعب دوراً اساسياً في بلورة حركة اجتماعية عمالية، تحولت اليوم إلى نقابات لا حول ولا قوة لها داخل الاطار العمالي العام، بسبب غلبة النقابات المحسوبة على السلطة، وبسبب الازمة التي تعاني منها احزاب اليسار عامة والحزب الشيوعي خاصة. هذه الاحزاب التي كانت تشكل الخلفية السياسية للحركة النقابية تاريخياً، أما اليوم فإن السلطة دجنت عدداً من الاحزاب، وضعفت أحزاب أخرى نتيجة غرقها في أزمتها، وجاءت الازمة الاقتصادية والاجتماعية لتحول الحركة النقابية إلى مجرد القيام بدور أشبه بالمحامي كلما نشب نزاع بين عامل ورب عمله"[38].
    و في مرحلة ما بعد الحرب "دخلت جهات جديدة على العمل النقابي ممولة من جهات أجنبية مانحة تعمل على نشر ثقافة جديدة للعمل النقابي، فهي تدعو لتأسيس نقابات جديدة لا تكون ذات طابع سياسي أولاً، وتدعوها إلى تركيز الجهد داخل المؤسسة ثانياً، وان يتمثل تضامنها مع التحركات العمالية الاخرى بإرسال برقيات التأييد أو الاستنكار"[39]. إن هذا التوجه النقابي الجديد، يحول النقابة من دور الجامع والمنظم لحركة العمال في إطار نضالي – اجتماعي مرتبط بأفق التغيير السياسي في المجتمع، إلى إطار نقابي يبتعد عن الجوهر الطبقي لتنظيم العمال.
    ويبرز التحول من خلال التراجع عن برنامج الاصلاح الاقتصادي والسياسي الذي طرح عام 1973، لصالح قضايا عامة لم تتبلور في برنامج وتتمحور حول النقاط التالية:[40]
    - الدفاع عن المستأجرين في مواجهة صدور قانون ايجارات جديد.
    - الدفاع عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يعتبر أحد المكاسب الاساسية للعمال، والذي يتم تفريغه تمهيداً لضربه.
    - العمل على حماية سوق العمل من العمالة الاجنبية لمواجهة ازمة البطالة.
    إن هذه القضايا العامة للاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين لم تصل إلى مستوى البرنامج لانها تفتقد إلى التكتيكات وإلى الاستراتيجية، ولا تشكل قضية تستقطب مؤسسات المجتمع المدني التي بدورها تعيش الحالة ذاتها.


    [32] الياس الهبر، توثيق مسيرة الحركة العمالية في لبنان، الجزء الاول 1942-1994، دار الريحاني ، بيروت، الطبعة الاولى 2002، الصفحة 18.

    [33] الاتحاد العمالي العام في لبنان- من يمثل من؟ دراسة احصائية تحليلية، المركز اللبناني للتدريب النقابي بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت، اسماعيل بدران ومحمد زبيب، بيروت 2000، الصفحة 27

    [34] المرجع السابق ،ص28

    [35] المرجع السابق ص 41.

    [36] حسب مصادر وزارة العمل التي افادتنا بهذا الرقم.

    [37] الاتحاد العمالي العام، مرجع سابق ص 29.

    [38] كاسترو عبدالله الامين العام التنفيذي للاتحاد الوطني للنقابات العمال والمستخدمين في لبنان. مقابلة شخصية

    [39] المرجع السابق

    [40] المرجع السابق
    << ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكرا ، أو يضمّد جرحا أو يرقأ دمعا ، أو يُطهّر قلبا ، أو يكشف زيفا ، أو يبني صرحا يُسعد الإنسان في ضلاله >>

    ***********
    حياتنا توشك أن تنتهي عندما نصمت على أشياء وأوضاع خطيرة
    " مارتن لوثركنج "

  4. #4
    عضو مميّز الصورة الرمزية DAYR YASSIN
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    Switzerland
    المشاركات
    6,914
    شكراً لك
    2,031
    شكر 3,654 مرات في 1,690 مشاركات

    افتراضي

    الحركات الاجتماعية في لبنان

    (4)


    الحركة الطلابية بين القضايا المطلبية والوطنية

    إن تاريخ الحركة الطلابية في لبنان هو حديث العهد، إذ يمكننا أن نتحدث عن نصف قرن من النضال الطلابي الذي بدأ يتبلور في أوائل الخمسينات، سواءً في التعبير عن مطالب فئوية قطاعية تخص التعليم في لبنان، أو التعبير عن مواقف سياسية وطنية او مواقف قومية داعمة أو رافضة لاجراءات معينة.
    والتحرك الاول والكبير لطلاب لبنان بدأ مع تحرك طلاب المعاهد العليا (الفرنسية) في بيروت مطالبين بانشاء الجامعة اللبنانية الوطنية. اذ سبق ذلك وجود جامعتين أساسيتين في لبنان هما الجامعة الاميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف(اليسوعية)، إضافة إلى معاهد عليا فرنسية، كان التعليم فيها محصور بالفئات القادرة على دفع التكاليف المرتفعة للتعليم الجامعي.
    وكانت هذه التكاليف المرتفعة سبباً لتحرك الطلاب عام 1950 والمطالبة بتحقيق عدد من المطالب تمثلت بالاتي:
    - ايجاد برنامج وطني يستند في اسسه إلى الاسلوب التعليمي الحديث ويطبق في المدارس كافة.
    - إيجاد جامعة وطنية، لانه من العار أن يبقى لبنان بلد العلم والنور من دون جامعة وطنية
    -تخفيض الرواتب (الاقساط) في المدارس التي ترهق الاهل وتمنع الكثير من إمكان متابعة علومهم.[41]
    وتلخص هذه المطالب شعار ديمقراطية التعليم ووطنيته الذي كان الهدف الاسمى للحركة الطلابية خلال ما يقارب ربع قرن من الزمن، وتحديداً حتى اندلاع الحرب الاهلية عام 1975. لكن الحكومة لم تأخذ هذه المطالب بعين الاعتبار، إذا اعلنت في جلسة مجلس الوزراء بعد حوالي الشهر من الاضراب "وجود استحالة في تحقيق المطالب لان الوضع لا يحتمل، وإمكانات وزارة التربية ضعيفة"
    هذا الموقف دفع بالطلاب إلى تصعيد تحركهم واعلان الاضراب الذي سقط من جراء المواجهات مع القوى الامنية أول شهيد للحركة الطلابية[42]، وجرت سلسلة من الاعتقالات لقادة التحرك طيلة خمسة أيام، قررت على أثره الحكومة انشاء الجامعة اللبنانية في الخامس من شباط/فبراير 1951.
    توالت التحركات الطلابية المتأثرة بتفاقم الصراع في العديد من الدول العربية المجاورة للبنان، وبتصاعد المد القومي العربي، الرافض لمحاولات التآمر على حركات التحرر الوطني العربي، ولا سيما الحلف التركي الباكستاني، والذي كان مقدمة لقيام حلف بغداد لاحقاً، ولاقي تأييداً من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك كميل شمعون. وبدات التحركات في الجامعة الاميركية التي كانت تضم في صفوفها طلاب من مختلف الجنسيات العربية،ولا سيما من دول المشرق العربي حيث برزت الحركات القومية العربية ولا سيما حركة القوميين العرب ، التي عمل قادتها ومؤسسيها من خلال جمعية "العروة والوثقى". كانت الجامعة الاميركية مختبراً أساسياً للتعبير عن مزاج واتجاهات الشارع العربي، وحيزاً تختمر فيه الافكار الجديدة التي ساهمت في صناعة تاريخ بعض بلدان المنطقة العربية لعقود من الزمن.
    وأمام إدراك الطلاب لمخاطر هذا الحلف على حركات التحرر العربية ولا سيما محاصرة ثورة 23 يوليو في مصر، صدرت بيانات عن مجلس الطلبة في الجامعة الاميركية وعن جمعية "العروة والوثقى"، تندد بهذا الحلف وتدعو إلى التظاهر ضده، وما لبثت الاحزاب أن أيدت هذه الدعوة. وسارت المظاهرات في مختلف المدن اللبنانية وتعرضت مظاهرة طلاب الجامعة الاميركية لاجراءات القمع وتم اطلاق الرصاص فسقط عدد من الجرحى، واستشهد الطالب حسان أبو إسماعيل.
    لقد كانت هذه المواجهة تعبير عن الانقسام القديم والمتجدد الذي بدأ بالبروز في المجتمع اللبناني بين قوى سياسية تؤيد التحالف مع الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية، ويقف على رأسها رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك كميل شمعون، وتجد تأييداً لها في الشارع المسيحي، وبين قوى قومية ويسارية ترفض هذه الاحلاف وتدعم حركات التحرر الوطني العربية وتجد تأييدها في الشارع الاسلامي. ويستمد هذا الانقسام المتجدد في المجتمع، من حالة الانقسام التي عاشها المجتمع اللبناني عشية اعلان دولة لبنان الكبير من قبل الجنرال غوروا عام 1920، بين مؤيدين لتشكل لبنان الكبير ووضعه تحت الوصاية الفرنسية، وبين رافضين لفصل أجزاء من لبنان عن سوريا (مناطق البقاع والشمال والجنوب) والتأكيد على الانتماء إلى الامة العربية.
    وتوسع هذا الانقسام بين الموقفين، بدءاً من أواسط الستينات، وعبر عنه بمظاهرات مضادة في الشارع. وكان الصراع العربي الصهيوني محركاً أساسياً لحركة الطلاب في لبنان، فمع اشتداد العدوان الصهيوني على لبنان الذي تجلي بقصف مطار بيروت وتدمير اثنتي عشر طائرة لبنانية، وأمام عجز الدولة عن مواجهة العدوان أثناء وقوعه، وعدم قدرتها على الرد لاحقاً، تحرك الطلاب في جامعات لبنان، رفعين شعارات تطالب بي:
    - محاكمة المسؤولين عن عدم الرد على عدوان المطار.
    - المطالب بالتجنيد الاجباري وتحصين القرى الحدودية.
    - الاقرار بشرعية العمل الفدائي وعدم التعرض له.
    لقد تصاعد التحرك الطلابي والشعبي حول هذه القضايا، إلا أن رفع سقف المطالب من قبل الحركة الطلابية لم يكن بمقدور السلطة على تحقيقه. لقد كان من الواضح أن السلطة في لبنان تقوم على نوع من التحالف الهش بين اتجاهين سياسيين، لكل واحد منهم تحالفاته وارتباطاته، وبالتالي كان من الصعب على الحكومة أن ترضخ لهذه المطالب، لأن ذلك سيكون بمثابة نسف صيغة التحالف الهش التي قام على اساسها نظام الحكم في لبنان.
    كما أن تضمين المطالب الاقرار بشرعية العمل الفدائي، وارتباطها بسلسلة من التحركات الداعمة لهذا النشاط، يشير إلى مكانة العمل المقاومة في الوعي الشعبي والطلابي الذي كان يجد آنذاك في السلاح الفلسطيني آملاً في احداث تغيير في النظام السياسي في لبنان.

    الفرز داخل الحركة الطلابية

    إذا كانت الجامعة الاميركية في بيروت، شكلت المختبر السياسي الوطني والقومي للحركة الطلابية السياسية في لبنان، نظراً لوجود العديد من الطلاب العرب فيها، فإن الجامعة اللبنانية، جامعة الفقراء، كانت المختبر الذي تمرس فيه الطلاب على النضال من أجل قضاياهم ومطالبهم الاصلاحية والنقابية. فالجامعة اللبنانية نفسها، لم تولد إلا بفعل الاضرابات التي قام بها طلاب لبنان، وكان هذا مؤشر للطلاب بأن تطوير جامعة الفقراء لا يمكن أن يتم إلا من خلال النضال المستمر، وأن الاضرابات هي الوسيلة الوحيدة أمامهم للدفاع عن المكسب الذي تحقق. فالطبقة السياسية لم تكن لتهتم بإيجاد مساحة في المجال اللبناني، تسمح بخلق حالة اعتراض على سياساتها. لقد أدرك طلاب الجامعة أيضاً، أن معركتهم ليست مع إدارة الجامعة وجسمها التعليمي والاداري، بل هي مع السلطة السياسية، لذلك كان الهدف تطوير الجامعة، الذي لا يمكن ان يتم إلا من خلال تطوير إدارتها وإعطائها استقلالاً إدارياً ومالياً وأكاديمياً، وتعزيز وضع الاستاذ الجامعي ورفعه إلى مصاف الاساتذة الجامعيين في الجامعات الاخرى. ومن هنا كان التحرك الطلابي متضامنا مع اساتذة الجامعات، لا بل يمكننا القول أن تطوير الجامعة اللبنانية كان ثمرة التعاون بين الاساتذة والطلاب بشكل خاص والادارة بشكل عام. وقد طبع هذا التعاون سمة الحركة الطلابية خلال الفترة التي تصاعد فيها النضال الطلابي حتى المرحلة الاولى من الحرب الاهلية.
    ونظراً إلى أن الجامعات الخاصة (الاميركية واليسوعية) لها تاريخ عريق في إدارة التعليم، وأن طلابها من الميسورين القادرين على دفع تكاليف التعليم، ولا يعانون من مشكلات أساسية في هذا المجال، لذلك ارتبطت الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية بالنضالات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تخوضها قوى المجتمع المدني من أجل اصلاح النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.وساعد على تبلور هذا الاتجاه أن الجامعة اللبنانية تحولت خلال عقد من الزمان إلى أكبر الجامعات من حيث عدد الطلاب الجامعيين في لبنان.
    لقد لزم تبلور الوعي النضالي لدى طلاب الجامعة اللبنانية فترة تقارب العقد من الزمن، والسبب في ذلك ان الجامعة بقيت منذ العام 1953 وحتى أواخر العام 1959 مقتصرة على كلية التربية، إلى حين صدور مراسيم تأسيس كليات الآداب والحقوق والعلوم الاجتماعية.
    لقد استطاع الطلاب في الجامعة اللبنانية أن يوحدوا حركتهم من خلال الروابط الطلابية المنتخبة على مستوى الكليات، ومن ثم توحدهم مع مختلف الروابط في كليات الجامعات الخاصة (الاميركية واليسوعية والعربية)
    إن أولى المشكلات التي واجهت طلاب الجامعة تمثلت في تأمين العمل لخريجي كلية التربية، الذين تعاقدوا مع المدارس بالساعة وقد نجحوا في فرض تعيينهم في الملاك بعد سلسلة من الاضرابات. والمطلب الثاني كان النضال من أجل بناء مبنى موحد للجامعة اللبنانية على غرار الجامعات الاخرى. ذلك أن كليات الجامعة كانت وما زالت حتى الان في مبنى منفصلة بعضها مباني سكنية غير مهيأ للتعليم الجامعي ولا تؤمن مناخ تربوي يساعد في تعزيز العملية التربوية (صدر قرار البناء الموحد عام 1964)، إضافة إلى المطالبة بتعميم المنح الجامعية على مختلف طلاب الجامعة المتفوقين بدلاً من أن تكون محصورة بمن لديهم دعم من قبل أهل النظام. والمطالبة بتأمين الاستقلالية الادارية والمالية للجامعة، ورفع ملاك الاساتذة الجامعيين إلى مستوى يساعدهم على الانصراف إلى التعليم كلياً، وتعيين خريجي معهد المعلمين العالي (كلية التربية) فور تخرجهم خلال دورتي حزيران/ يونيو وتشرين الاول/اكتوبر 1962 وقد اعلن الطلاب الاضراب العام المفتوح حتى تحقيق المطالب.
    وتستمر التحركات الطلابية المنسقة مع الهيئة التعليمية، في الستينات وتنجح في تحقيق عدد من المطالب كان أبرزها إقرار مشاركة الاساتذة والطلاب في إدارة الجامعة، وتسييرها ذاتياً عن طريق المجالس التمثيلية عام 1968، وإقرار قانون التفرغ للاساتذة عام 1970، وتخصيص المنح للطلاب المتفوقين والمحتاجين، وإيفاد الطلاب المتفوقين للتخصص في الخارج في مختلف الاختصاصات العلمية، وصدور المراسيم لانشاء الكليات التطبيقية.
    لم تكتفي الحركة الطلابية بالنضال من أجل تحسين وضع الجامعة اللبنانية وإنما ناضلت من أجل بلورة سياسة تربوية واضحة للدولة، وهنا رفعت شعار "ديمقراطية التعليم"، وهذا ما ادى إلى بداية التفسخ في الحركة الطلابية بين اتجاهات اليمين واليسار، فاليمين شارك في التحركات التي كانت تطالب بتعزيز وضع الجامعة الوطنية، أما عندما بدأت الحركة الطلابية ترتبط بالحركة الشعبية العامة التي كانت في حالة تصاعد ضد سياسات الدولة التي تضمن مصالح البرجوازية اللبنانية، فقد تراجع اليمين عن هذه التحركات. سيما وان هذه التحركات كانت قد بدأت تتبلور في مشروع للاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي والاجتماعي، مما شكل مشروع للتغيير الديمقراطي في المجتمع.
    إن سلسلة هذه التطورات دفعت بقوى اليمين اللبناني الممسك بزمام السلطة، إلى استشعار الخطر الذي تشكله الحركة الطلابية ، وهذا الامر \فع إلى تبلور حدود التفارق في المصالح وبالتالي في تبلور الاتجاهات السياسية ودخولها في مرحلة الصراع داخل الحركة الطلابية. وكان عام 1974 عام الفصل في هذا المجال، عندما استطاع اليمين أن يفوز بنسبة 55 بالمائة من مقاعد اللجنة التنفيذية. واصبح متحكماً بقرارات الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، فلم يؤيد تحرك طلاب اليسوعية في ذلك العام، وتقاعس عن اتخاذ موقف من إيقاف صرف المنح عن الطلاب في الخارج، ورفض التضامن والمشاركة مع النضال الشعبي والعمالي، واتخذ موقف المتفرج من الاضراب ضد قانون الايجارات".[43] كل هذه المواقف دفعت إلى بلورة مواقف معارضة لسياسة اليمين داخل الطلاب تمثلت بالدعوة إلى الاضراب الطلابي ضد سياسات ومواقف اللجنة التنفيذية للاتحاد الوطني لطلاب الجامعة. وقبل انتهاء ولاية اللجنة التنفيذية عام 1974، سارت مظاهرة حاشدة لطلاب الجامعة اللبنانية عبّر اليسار فيها عن قوته، التي خاض فيها الانتخابات لاحقاً، واستطاع أن يفوز بأكثرية المقاعد، إلا أن اندلاع الحرب الاهلية بعد ثلاثة شهور من هذه الانتخابات، وما رافق ذلك من تقسيم للجامعة اللبنانية، وانقسام للمجتمع، أدى إلى ضرب الحركة الطلابية وتشرذمها من جهة، ونقلها إلى ساحات أخرى من الصراع، حيث انتقل قادة الحركة الطلابية الذين كانوا يتصارعون ويتحاورن داخل الجامعة، إلى الصراع عبر متاريس الحرب وليتقاذفوا بالقنابل والرصاص.
    لقد شكلت الحرب الاهلية عامل إضعاف لاشكال النضال الديمقراطي ضد النظام، وحلت مكانها أشكال اخرى أكثر عنفية، فقوى اليمين التي استشعرت الخطر المحدق بنظامها، من تصاعد فعل الحركات الاجتماعية وتأثيرها، وأثر هذه الخطر على استمرارية نظامها السياسي، والمكاسب المحقق لها، عمدت إلى تفجير الحرب الاهلية، مراهنة على العامل الطائفي وإمكانية أن ينقسم المجتمع إلى قسمين بحيث تتعطل إمكانية التغيير الاجتماعي. وقد نجحت في هذا الامر. وبسبب تردد القوى الديمقراطية عن حسم الصراع لمصلحتها، ومراهنتها حتى في فترات قرقعة السلاح على العودة إلى اشكال النضال السلمية. تفاقمت الازمة في طرفي الصراع، ورواح الوضع في مكانه، مما اوصل إلى إعادة بعث النظام مجدداً بعد اتفاق الطائف عام 1989. وجل ما انتهت إليه الحرب هو تحقيق المطالب السياسية التي خاضت الحركات الاجتماعية عامة والطلابية خاصة العديد من النضالات قبل الحرب، ألا وهو حسم موقف لبنان تجاه التزامه القومي. ولكن تم الابقاء على الازمة في الشقين الاجتماعي والاقتصادي.
    لقد انتهت الحرب الاهلية عام 1990، ولكن قبل أن تضع أوزارها، دخلت في مرحلة "المراوحة في المكان" كتعبير عن عدم قدرة الاطراف المتصارعة على حسم الصراع لصالح أحدهم، ودخلت القوى والمليشيات الطائفية بقوة إلى الساحة وخلقت مناخ طائفي حاد لم يكن موجوداً في السنوات السبع الاولى للحرب الاهلية، وفي مرحلة لاحقة انفجر الصراع المذهبي حتى داخل الصف الواحد. كل هذا الوضع خلق مناخ يطالب بعودة الدولة ليس لانها تحمل حلاً للمشكلات التي على اساسها اندلعت الحرب، بل لانها تشكل الخلاص الاخير من حالة العبث الطائفي الذي أصبح مسيطراً على المجتمع. انتهت الحرب، لكنها أرهقت القوى والحركات الاجتماعية التي كانت قبل الحرب تعطي للمجتمع حيوية نضالية.
    انتهت الحرب وبدأ المجتمع بلملمة جراحه، وكانت عودة مؤسسات الدولة محور هذه العملية، لكنها كانت عودة متأثرة بالتغييرات التي طرأت خلال الحرب ولا سيما التغييرات الديموغرافية التي طرأت على الاجتماع اللبناني، فلم تستطع ان تتجاوزها، ذلك أن أطراف النظام هم أنفسهم ممثلي المليشيات الطائفية التي خلقت هذا الفرز الديموغرافي ـ الطائفي.
    والحركة الطلابية التي كانت قبل الحرب محور الحركة السياسية، نجد أنها اليوم جزء من الازمة السياسية، ومنقسمة على بعضها البعض، ولا حول لها ولا قوة. فالتغييرات الديموغرافية التي طرأت خلال الحرب تركت آثارها على الطلاب. ونستطيع أن نرى هذه التأثيرات من خلال واقع الطلاب الجامعيين في لبنان، ففي دراسة صدرت عام 1997 عن الطلاب الجامعيين في لبنان[44]، يلاحظ "أن نسبة الطلاب القادمين من التعليم الثانوي الرسمي في الجامعة اللبنانية تبلغ 47.4% مقابل 40.5% من مدارس طائفية. أما في الجامعات الخاصة فإن نسبة القادمين من تعليم رسمي تنخفض إلى 9.6% مقابل 60.3% من مدارس طائفية.
    أما بالنسبة إلى المستوى الثقافي، فعلى الرغم من تزايد استخدام اللغة الاجنبية لدى الطلاب، فقد أشارت الدراسة السابقة أن نسبة 45.5% من الطلاب لم يقرأ أي كتاب خلال السنتين الماضيتين، و18.6% قرأ كتاباً واحداً ، و17.6% قرأ كتابين،و18.4% قرأ ثلاثة كتب.
    فقط نسبة 4 % من الطلاب الجامعيين في لبنان لا يعنيهم الانتماء الطائفي، في مقابل 33 % يعتبرون أن انتمائهم إلى طوائفهم أقوى من انتمائهم إلى وطنهم، و43 % ينتمون إلى لبنان أولاً ثم إلى طائفتهم، وهذه النسبة يتحول جزء كبير منها إلى الانتماء الطائفي عندما ترتفع أصوات التحريض المذهبي والطائفي أثناء الازمات.
    أما حول المشاركة السياسية والنقابية داخل الجامعة فإن 12% من الطلاب الجامعيين يشاركون في الانتخابات الطلابية، في حين أن خمسهم منتسب إلى هيئات وروابط طلابية، ويؤكد 45% من الجامعيين أنهم بعيدون عن أي تيار سياسي.
    أما بالنسبة إلى التأييد السياسي، يلاحظ الانقسام العميق بين الجامعات ،حيث يلاحظ أن طلاب الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية مؤيدين لأحزاب اليمين القديمة والجديدة بنسبة 95%. مقابل الفروع الأربعة الأخرى التي يتوزع تأييدها على ما يسمى بالأحزاب العقائدية (الشيوعية والقومية والإسلامية)· بنسبة 95 % . أما طلاب الجامعة اليسوعية والكسليك والحكمة فينحصر تأييدهم بنسبة 95 % لأحزاب اليمين (المسيحي) القديم والجديد، وتبقى الفروع الموحدة في اللبنانية والاميركية واللبنانية الاميركية التي يلاحظ فيها تشارك في التأييد بين مختلف القوى السياسية.
    ويترافق مع هذا الاصطفاف السياسي اصطفاف طائفي يجتاح 14 من أصل 15 وحدة جامعية.
    أن الصورة السابقة في الاصطفاف الطائفي، وترافقه مع تأييد سياسي هو في حقيقته انعكاس لقوة الوعي الطائفي. وتشير هذه الصورة إلى أن واقع الجامعات في لبنان هو انعكاس للتحولات التي شهدها المجتمع اللبناني وأبرزها التغييرات الديموغرافية القسرية بدءاً من وضع حداً للاختلاط الطائفي بين اللبنانيين القاطنيين في ضواحي العاصمة وفي بعض المدن والبلدات، وتقلصه لدرجة كبيرة وخطيرة، هذا الاختلاط الذي كان عاملاً موضوعياً وفاعلاً في لجم الشعور الطائفي والمذهبي بين اللبنانيين، وفي تنمية الشعور الوطني.
    هذه التغييرات الموضوعية كانت بمثابة خسارة صافية في ميزان الوجود السياسي لليسار[45]، وعززت من اشتداد النفوذ الطائفي في المؤسسات التعليمية الخاصة والرسمية، وجاء تقسيم الجامعة الوطنية وانتشار الجامعات والمعاهد الجامعية والمدارس والمهنيات التي تمولها جهات طائفية.
    أن قوة الحركة الطلابية قبل الحرب كانت نتيجة الصراع القائم بين قوى اليسار واليمين حول الوجهة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لخيار الدولة والمجتمع، ودفاعاً عن الجامعة والمدرسة الوطنية. وهذا الصراع هو الذي متّن عود الحركة الطلابية من خلال الانغماس في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الوطنية. أما الآن فأن الاصطفاف الطائفي السياسي للطلبة الجامعيين في الجامعات عامة، والجامعة اللبنانية خاصة، أدى إلى أن تتصارع قوي اليمين المسيحي القديم والجديد فيما بينها داخل الوحدات الجامعية الصافية إلى حدا ما طائفياً، وأن تتصارع القوى اليسارية والإسلامية في وحداتها، وأن يتحول هذا الصراع إلى منافسة للوصول إلى المجالس التمثيلية المهمشة. فلكل جهة موقعها، الذي لا تتفاعل مع نقيضها ولا تتنافس معه. وبعد ذلك يأتي التنسيق أحياناً،على قضايا عامة تأخذ بعداً سياسياً أكثر منه وطنياً، فلكل طرف حساباته الخاصة وقرار المشاركة فيها تبعاً للمسار الذي يوصل إليه[46].
    في ظل هذا الوضع، ما زالت الحركة الطلابية في سبات، على الرغم من بعض التحركات الصغيرة والمجتزأة بين الحين والاخر، والتي ترتبط إما بمواضيع طائفية بحتة، وإما فئوية سياسية مباشرة، ولا تستقطب في الحالتين إلا من تحركهم انتماءاتهم الطائفية أو الحزبية.
    لقد استطاع الاساتذة الجامعيين عام 1991 أن يوحدوا إطارهم النقابي من خلال رابطة الاساتذة المتفرغين، واعلنوا إضراباً عاماً، كانت الحركة الطلابية غائبة عنه بالكامل، واكتفى الطلاب بالجلوس في منازلهم.
    كما أن تحرك الاساتذة والمعلمين في القطاع الرسمي سواء في الجامعة اللبنانية أو التعليم الثانوي والابتدائي لم يعد كما كان سابقاً دفاعاً عن مصلحة المدرسة أو الجامعة الرسمية ومن أجل شعار ديمقراطية التعليم ووطنيته، بل هو تحرك من أجل تحسين الرواتب والتقديمات الخاصة بالمعلمين. حيث بتنا نشهد معادلة ارتفاع رواتب أساتذة الجامعة اللبنانية ومعلمي المدرسة الرسمية، في الوقت الذي تتراجع فيه جامعة الفقراء ومدرستهم.
    وفي قطاع الطلاب والشباب، اصبحنا أمام تحركات موسمية ترتفع وتنخفض تبعاً للحسابات والصراعات السياسية بين أهل النظام الطائفيين. فالكتلة الاساسية من طلاب الجامعات والثانويات مستقطبة من القوى الطائفية، وتتحرك بناء على إشارة منها.وتنشأ التحالفات وتنفض بين ليلة وضحاها، ولعل دراسة ظاهرة الانتخابات الطلابية في الجامعة مطلع كل عام، والتحالفات المتناقضة التي تنشأ، تعتبر مؤشر على غياب القضية التي تعبر عنها القوى الطلابية. حيث يمكن أن تجد في إحدى الكليات تحالف بين أطراف ضد أطراف أخرى، وإذا انتقلت إلى كلية أخرى تجد أن من كان متحالفاً في الكلية الاولى أصبح متصارعاً في الكلية الثانية. هذا التذبذب في التحالفات وتناقضها، تعبيراً عن غياب المشروع لدى هذه القوى الطلابية، فتنحدر التحالفات من التوافق في الرؤيا السياسية والمطلبية إلى مجرد الحصول على موقع في مجلس لطلاب في هذه الكلية أو تلك.
    وإذا قمنا باستعراض لمجريات قضية كانت في مرحلة الستينات والسبعينات مطلب الحركة الطلابية على مختلف مشاربها والوانها، وتتمثل في البناء الجامعي الموحد. نجد اليوم أن مجرد الاشارة إليه، يثير عاصفة من الرفض من قبل أغلبية القوى السياسية التي تنشط في الجامعة، لا بل وصل الامر إلى إعلان الاضراب العام المفتوح خلال عام 2002 في الفروع الثانية (ذات الاغلبية المسيحية) رفضاً للقرار الذي اتخذه مجلس الوزراء بناء على توصية من رئيس الجمهورية بتوحيد الجامعة اللبنانية. أما القوى التي كانت محسوبة على اليسار، فإنها لم تستطع رفضه من حيث المضمون، وإنما اعتبرت أنه يتم فوقياً والهدف منه ضرب ما يسمى "بالحركة الطلابية"، فتركت الساحة للمعترضين على قرارا التوحيد. وكذلك الامر بالنسبة للقوى المحسوبة على الطوائف الاسلامية، فلم تتحرك من أجل هذا المطلب لانها مرتاحة إلى صفائها الطائفي.
    أن قرار توحيد الجامعة، في حال تنفيذه، سيعيد للحركة الطلابية تفاعلها، وسيشكل إحراجاً للقوى الطائفية التي ترتاح للصفاء الطائفي في الجامعات اليوم، هذا الصفاء الطائفي الذي يسمح لها بان تستمر في خطابها التعبوي الطائفي. أما في حال الاختلاط، فإنها مضطرة لاستخدام خطاب لا طائفي، وهذا ما هي عاجزة عنه، لانها لا تمتلك مشروعاً وطنياً.
    أما من حيث التنظيم، فالصيغة السابقة للحركة الطلابية كانت وجود منظمات طلابية مرتبطة بالاحزاب تنشط في الجامعة وتسعى لايصال ممثليها عبر انتخابات طالبيةن ويعمل هؤلاء المنخبون من خلال صيغة تنظيمية هي الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية. أما اليوم فهذه الصيغة مفقودة، على الرغم من محاولات إعادة بعثها، إلا انها تصطدم بالحسابات الخاصة للمنظمات الطلابية ذات البعد الطائفي. فالمنظمات الممثلة لقوى اسلامية تحمست للفكرة لانها قادرة على الهيمنة عليه بحكم الصيغة المقترحة والتقسيم الحالي للجامعة، في حين أن القوى الطائفية المسيحية ترفض هذه الصيغة لانها تقيض حركاتها. الامر الذي أدى إلى ولادة ميتة لهذا الاتحاد الذي لم يباشر العمل حتى الان.
    وبديلاً عن الصيغة الموحدة للاداة الطلابية، نشهد اليوم لقاءات لمنظمات طلابية وشبابية، يسيطر علي أغلبها البعد الطائفي. وهذه المنظمات يلتئم بعضها تبعاً للقضايا المطروحة وتبعاً لحسابات كل طرف من القضية المطروحة.
    أما في الجامعات الخاصة، فالصورة غير مختلفة كلياً، إذ نجد أن الجامعات الطائفية المسيحية والاسلامية تتمثل فيها القوى الطائفية. ويبقى تلك الجامعات مثل الجامعة الاميركية واللبنانية الاميركية والبلمند ، التي تنشط فيها القوى المختلفة بسبب توزع طلابها على مختلف الاتجاهات.
    برزت في أواسط التسعينات، في الجامعات الخاصة، مجموعات من الطلاب الذين يصنفون انفسهم باليسار. وغالبيتهم من أبناء يساريين سابقين يأسين من تجربة الاحزاب اليسارية وازماتها، وقد عمد هؤلاء إلى تشكيل مجموعات سميت مجموعات يسارية طرحت على نفسها قضية كبيرة هي إعادة تجديد اليسار في ظل الازمة التي تعاني منها الاحزاب اليسارية اللبنانية. إلا أن هذه المحاولة لا تعدو أن تكون مجموعات تعبر عن رفض للواقع دون وعي هذا الواقع، وكثيراً ما دخلت في مواقف سياسية خاطئة ووقوعها في اصطفافات طائفية نتيجة موقفها الايديولوجي.
    إن هذه المجموعات اليسارية، وبغض النظر عن تأثيرها والملاحظات على تحالفاتها السياسية، نلحظ أنه طغي عليها الخطاب والنشاط السياسي، وغاب عنها الخطاب والنشاط الطلابي. فهي لم تتحرك في الجامعة اللبنانية وبقيت محصورة في الجامعات الخاصة، ذات الاقساط المرتفعة. وقد برز تحركها في انشطة داعمة للقضية الفلسطينية، وقضية المناضل الياباني كوز أوكوموتو، وشاركت في تحركات معارضة لسوريا في لبنان.
    إن الخلاصة حول أوضاع القوى الطلابية وحدود نشاطها، تشير إلى عدم وجود حركة طلابية، وانه لا يظهر في الافق إمكانية تبلورها خلال المرحلة المقبلة. لان تبلور هذه الحركة ليس مفصولاً عن خروج أحزاب اليسار من أزمتها التي تتخبط فيها، وإمكانية تجاوز هذه الازمة عن طريق، إعادة بلورة مشروعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.


    [41]
    الحركة الطلابية في لبنان- خمسون عاماً من النضال، عماد الزغبي، مؤسسة دار الكتاب الحديث، الطبعة الاولى 2002، ص 64

    [42] الطالب فرج الله حنين، واستشهد نتيجة نزيف داخلي من جراء الضرب على الرأس.

    [43] عماد الزغبي، مرجع سابق ص129

    [44] لمزيد من المعلومات راجع كتاب: الطلاب الجامعيون في لبنان، أرث الانقسامات، عدنان الامين ومحمد فاعور، منشورات الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية 1998.

    · إن النسبة الاكبر من هذا التأييد موجهة إلى الاحزاب الاسلامية.

    [45] على اسماعيل نصار، الديمقراطية ومستقبل المجتمع المدني، مجلة الحقول اللبنانية، العدد الاول، ربيع 1999، الصفحة 9

    [46] مطلع العام 1998، تم الدعوة من المنظمات الشبابية السياسية إلى الاعتصام أمام مجلس النواب أثناء انعقاد جلسته العامة لمناقشة مشروع الموازنة المقدم من الحكومة. وكان الاعتصام من أجل زيادة موازنة الجامعة اللبنانية. وقد صدر بيان عن "التيار الوطني الحر" (جماعة عون) يعلن عدم مشاركته في الاعتصام، ويترك لاعضائه حرية اتخاذ القرار. وتفسير هذا الموقف الرافض للمشاركة، أنه كان بداية تحرك طالبي يحمل مضمون اجتماعي، وله سياق أخر عن السياق السياسي الطائفي، وهذا ما لا تستطيع هذه القوى أن تدخل به لانه خارج حساباتها.
    << ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكرا ، أو يضمّد جرحا أو يرقأ دمعا ، أو يُطهّر قلبا ، أو يكشف زيفا ، أو يبني صرحا يُسعد الإنسان في ضلاله >>

    ***********
    حياتنا توشك أن تنتهي عندما نصمت على أشياء وأوضاع خطيرة
    " مارتن لوثركنج "

  5. #5
    عضو مميّز الصورة الرمزية DAYR YASSIN
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    Switzerland
    المشاركات
    6,914
    شكراً لك
    2,031
    شكر 3,654 مرات في 1,690 مشاركات

    افتراضي

    الحركات الاجتماعية في لبنان
    --------------------------------
    المنظمات غير الحكومية


    هل هي وريث شرعي للحركة الاجتماعية ؟

    عبد الله محي الدين*

    يدور الحديث كثيراً عن أن التحولات التي طرأت على المجتمع أدت إلى تغيير شكل ومحتوى الحركات الاجتماعية، وأن الاشكال القديمة لم تعد ملائمة للمرحلة الحالية. وإن كانت التغييرات الجوهرية التي طرأت عالمياً قد افضت إلى تغييرات في أشكال الحركات، فإن البعض قد استغل هذه التحولات وذهب بعيداُ في استنتاجاته ليقدم اطروحة تعتبر المنظمات غير الحكومية التي انتشرت في العقدين الاخيرين من القرن الماضي، الوريث الشرعي للحركات الاجتماعية السابقة من حيث الشكل أو المضمون.
    وتجهد الكثير من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية التي تنشط في إطار حركة المنظمات غير الحكومية في العالم، من أجل إعادة إنتاج مفهوم جديد للحركات الاجتماعية يختزلها إلى المنظمات غير الحكومية المتنوعة والمتباينة التوجهات والادوار. ويترافق مع هذا الجهد النظري، سياسات تدخلية على مستوى هذه المنظمات ترمي بالدرجة الاولى إلى إحداث عملية تكييف هيكلي فيها، تكون مكملة لسياسات إعادة التكييف الهيكلي التي فرضت على مستوى دور الدولة. بحيث تؤدي إلى تحقيق إعادة تكييف هيكلي على مستوى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية. كما أن الادوار المدعوة إلى تأديتها من خلال البرامج والمشاريع الخدمية التي تنفذها في المجتمع تحت شعار التنمية، تبرز بوضوح من خلال القراءة النقدية أنها لا تعدو عن كونها تدخلات تهدف إلى معالجة التداعيات الاجتماعية لسياسات التكييف الهيكلي، وتساهم عملياً في إعادة تكييف نمط الحياة والانتاج للفئات الاجتماعية بما يتلاءم مع التغييرات البنيوية التي طرأت على دور مؤسسات الدولة والمجتمع.
    أن المشكلة الاساسية التي تعاني منها المنظمات غير الحكومية في لبنان، ولا سيما الجمعيات الاهلية، تكمن في أن رؤيتها لدورها ما زال محصوراً في الاطار الرعائي الخيري، وأن التطور الذي أدخلته تدخلات المنظمات المانحة، لا يعدو أن يكون تطويراً لهذا العمل ومأسسته وإدخاله في منهجية البرامج والمشاريع التي تغرق في المعايير الكمية وحجم الانجاز والمستفيدين دون أن يتم التركيز على المعايير النوعية لهذا الجهد الذي يبذل.
    إن إلقاء نظرة على واقع المنظمات غير الحكومية في لبنان يشير إلى أن عددها يبلغ حوالي 4073 جمعية [47] منها 2744 تأسست بعد العام 1985 وبنسبة تصل إلى 67 % من المنظمات غير الحكومية في لبنان. وأن أغلبية هذه الجمعيات ومن خلال الاهداف التي تأسست من أجلها، حددت لنفسها دوراً يأتي في إطار العمل الرعائي الخدمي الاحساني. وكل هذه الخدمات تقع في إطار المنظور الوظيفي للعمل الاهلي الذي يقصر دوره على التعامل مع التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة تاريخياً عن علاقات التبعية، وحديثاً عن سياسات النيوليبرالية الجديدة.
    وفي ظل هذا الوضع تبرز بعض الدعوات من قبل بعض الباحثين والناشطين في هذا القطاع إلى ضرورة تطوير دوره، ليكون أكثر فاعلية وليتخطى المنظور الوظيفي[48]، إلا أننا لا نجد تأثيراً فعالاً لهذه الدعوات على القطاع الاهلي الذي ما زال غارقاً في المنظور الوظيفي.
    وتبرز في أوساط هذا القطاع محاولات يقوم بها بعض الناشطين لتجاوز هذا "العجز" من خلال التركيز على البعد الدولي في محاولة للقيام بدور حركة اجتماعية عالمية مناهضة للعولمة في محافل ومؤتمرات دولية، في الوقت الذي يغيب عن مجال نشاطها داخل المجتمع المحلي مثل هذا الدور مع الفئات الاجتماعية المتضررة من العولمة في مجتمعاتها. وإذا كانت هذه المشاركات قد أدت إلى توحيد جهود بعض المنظمات المضادة للعولمة في الشمال مع بعض المنظمات في الجنوب. فأنه يجب أن لا يغيَب عن بالنا ملاحظتين اساسيتين هما:
    أولاً: أن بعض منظمات في بلدان الشمال تستند إلى واقع يعي أثار العولمة ولا سيما الهيمنة الاميريكة، التي تهدد مستقبل هذه المجتمعات، مما يدفعها لان تتحرك وتعبر عن حركة اجتماعية معارضة للعولمة في مجتمعاتها.
    ثانياً: أن أغلبية المنظمات غير الحكومية في بلدان الجنوب (إن لم نقل جميعها) التي تنشط في مجال مناهضة العولمة، تنطلق من دوافع أيديولوجية وتعبر عن وجهة نظر نخبوية، ولا تهتم ببلورة وعي اجتماعي نقدي للعولمة لدى الفئات المتضررة منها، وبذلك فهي لا تعبر عن حركة اجتماعية معارضة للعولمة، كما هو الحال في بعض بلدان الشمال.
    وهذا الواقع الايديولوجي للنخب الناشطة في مجال مناهضة العولمة، انعكس على حركتها أبان انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية في قطر، وتجلى هذا الواقع في انقسام النخب بين نشاطين منفصلين في بيروت، اتخذ لكل منهما منحى متنافس مع الاخر، الاول اعتبر نفسه ملتقى مؤقت معارض على هامش اجتماع منظمة التجارة وحصر نفسه في مجال إبراز الدوافع الحقيقية لاهداف اجتماع قطر. والثاني اتجه لتشكيل اطار اسماه "التجمع العربي لمناهضة العولمة" ودعي لعقد "ملتقى عربي لمناهضة العولمة" تناول إلى جانب الابعاد الاقتصادية بعض الابعاد السياسية، إلا انه انزلق إلى الحساسيات المحلية ومبدأ التنافر والتنابذ بين الاتجاهات، وإلى التعصب الايديولوجي إذ طرح البعض ضرورة استبعاد التيارات السياسية الاسلامية مثل حركتي حماس والجهاد وحزب الله عن هذا الملتقى لانهم لا ينسجمون ايديولوجيا مع القوي "الماركسية" المشاركة في هذا التحرك.
    وأصحاب الاتجاه الاقتصادوي المعارضون للعولمة على المستوى العالمي، يعارضون بعض الجوانب الاقتصادية ولا سيما منها الشركات المتعددة الجنسيات، ويعزفون عن تناول الجانب السياسي والامني والعسكري للعولمة ودور الدول فيه. أما على الصعيد الوطني والعربي فإنها تقترب لا بل ترّكز جهدها على المستوى السياسي، حيث تطرح قضايا إشاعة "الدمقرطة" ، ووقف تسلح الجيوش العربية، وتدعو إلى السير في الخيارات السلمية في المنطقة. أما على المستوى الاقتصادي ولا سيما التعامل مع النيوليبرالية الجديدة وبرامجها، فنجد أنه لا تبتعد فقط عن مناهضتها لها، بل تتحالف معها وتتبنى طروحاتها في الدعوة إلى حرية السوق وكف يد الدولة عن إدارة المجتمع باعتبارهما أفضل الطرق إلى دمقرطة المجتمع، وتحقيق "التنمية".
    إن هذا الدور الذي وضعت نفسها فيه عدداً من المنظمات غير الحكومية اللبنانية والعربية يعبر عن واقع جزء من النخب المعزولة عن النسيج الاجتماعي، ولا سيما فئاته الشعبية، كما أن هذا الواقع يجعلها بعيدة عن مصالح وأولويات المجتمع المدني ودوره في مواجهة مخاطر العولمة التي تقتحم المجتمعات وتعمل على اضعاف دور الدولة السياسي والاداري والاجتماعي، وتعزز الانتماءات الاولية التي يسهل التعامل معها، من جهة، وتشرذم المجتمع وتعيق امكانية تطوره من جهة أخرى.
    وإذا تناولنا المنظمات التي تطرح على نفسها التعامل مع قضايا لا تقع في الاطار الخدمي والرعائي، والمرتبطة بقضايا عامة مثل المرأة والبيئة وحقوق الانسان، والتي تشكل حالياً محاور أساسية للعمل، فماذا نرى؟

    المنظمات النسائية

    إن تشكيل الجمعيات النسائية في لبنان يعود إلى بدايات القرن، حيث كانت تتشكل الجمعيات على يد النساء للعمل مع الفقراء والمحتاجين، واول جمعية نسائية تأسست كان عام 1924، وهي جمعية النهضة النسائية، وتبع ذلك تشكل مجموعة من الجمعيات التي حددت أول هدف لها بتجميع طاقات النساء من اجل مساعدة الفقراء في بيروت. وتوالي بعد ذلك تأسيس الجمعيات التي كانت تجمع بين النساء ومساعدة المحتاجين، والتحركات الاولى التي طالبت بحقوق المرأة السياسية برزت عام 1950 عندما تم تشكيل "اللجنة التنفيذية للهيئات النسائية في لبنان" التي طالبت بحقوق المرأة السياسية. والتي حصلت عليها عام 1952 من خلال اقرار حق الانتخاب للمرأة المتعلمة فقط. وفي العام 1953 أقر حق الانتخاب لكل النساء دون استثناء.
    إن الجمعيات النسائية التي اجتمعت عام 1950 تحت أسم "اللجنة التنفيذية للهيئات النسائية في لبنان" وعام 1953 تحت أسم "جامعة الهيئات النسائية" والتي تحولت لاحقاً إلى صيغة المجلس النسائي اللبناني، كانت تسيطر عليها جمعيات ذات طابع طائفي وخيري، ولم يكن هناك جمعيات ذات وزن تطرح قضية المرأة باعتبارها قضية بحد ذاتها. واستمر هذا الوضع إلى عشية الحرب الاهلية عام 1975 حيث تأسست جمعيات نسائية مرتبطة بأحزاب سياسية يسارية وقومية كانت تطرح قضية المرأة والتأمت في إطار تحت أسم "التحالف النسائي الوطني اللبناني".
    يضم المجلس النسائي اللبناني "حوالي 160 جمعية،غير أن هذا الاتحاد لم يشكل حتى الان حركة نسائية تهتم بقضية المرأة ، إنما هناك جمعيات مختلفة المشارب والالوان، وغير متفقة على الكثير من القضايا الاساسية تعني المرأة اللبنانية بسبب تعدد الاهداف والمنطلقات وكذلك النشاطات. إننا أمام موزايك من الجمعيات الخيرية والطائفية"[49].
    أما حول مفهوم الحركة والتكتيكات التي تلجأ إليها الجمعيات النسائية فإن المشكلة تكمن في "عدم قدرة المجلس على تحديد قضية المرأة اللبنانية، ويبدو أن هذا الامر سيكون صعباً للغاية، فمثلاً نظام الاحوال الشخصية الطائفي الذي يشكل أحد أبرز أشكال الاجحاف بحق المرأة، يعتبر من القضايا الخلافية بين الجمعيات النسائية. ومثل هذا التباين يعتبر أحد المعوقات الرئيسية أمام تبلور حركة نسائية لبنانية"[50].
    أما عن أسباب عدم تبلور حركة اجتماعية نسائية فإنه يمكن تحديدها بالتالي:
    - سيطرة الجمعيات ذات الطابع الخيري والطائفي على المجلس النسائي.
    - عدم وجود إطار متجانس من الجمعيات المنسجمة مع بعضها البعض.
    - عدم اقتناع الاحزاب والنقابات والجمعيات الاهلية بأهمية دور المرأة ومشاركتها في الحياة العامة.
    - حصر المرأة مجالها في البيت والعائلة.[51]
    أما حول الانشطة التي تقوم بها المنظمات النسائية حتى تلك التي تعتبر نفسها أكثر تقدمية ولا تصنف نفسها في المجال الخيري والطائفي فهي تتمحور حول العمل على تعديل القوانين اللبنانية لتكون ملاءمة مع اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي صدق عليها المجلس النيابي اللبناني عام 1996، مع التحفظ على ثلاثة بنود هي:
    - حق منح المرأة اللبنانية الجنسية لزوجها غير اللبناني.
    - البند الذي يتعلق بنظام الاحوال الشخصية المعمول به في لبنان.
    - إمكانية قيام نساء أو جمعيات برفع دعوى أمام المحكمة الدولية ضد الدولة في حال عدم تطبيق الاتفاقية.
    لقد نشط المجلس النسائي وجمعيات نسائية بدارسة القوانين التي تتطلب تعديل لتكون متوافقة مع الاتفاقية المذكورة، وقدمت هذه المشاريع إلى نواب في البرلمان قاموا بتبنيها واحالتها للجان النيابية. وقد نتج عن هذا الامر إقرار مجموعة من القوانين نتيجة لتحرك المنظمات النسائية من جهة، ولان الامر أصبح جزء من التزام الدولة عليها القيام به.
    منظمات حقوق الانسان والديمقراطية

    إن تشكل جمعيات حقوق الانسان في لبنان هو حديث العهد، فأول جمعية طرحت شعار حقوق الانسان تأسست في عام 1966 تحت أسم "جمعية جامعة السلام في العالم" كانت عبارة عن فرع في الشرق الاوسط لجمعية عالمية. أما اول جمعية لبنانية لحقوق الانسان تأسست عام 1985، ثم تتالي تأسيس الجمعيات التي يصل عددها الان إلى العشرات.
    تنقسم الجمعيات التي تعمل في لبنان حول حقوق الانسان بين اتجاهين، "الاول يحصر مجال خدماته في مجال التعليق على الانتهاكات التي تتعرض لها حقوق الانسان في لبنان. والثاني يرى أنه هناك ترابط بين حقوق الانسان وقضية الديمقراطية. إلا أن المشترك بين كلا الاتجاهين هو عدم التعبير عن فئات اجتماعية محددة.[52]
    يوجد في لبنان عدداً من المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الانسان، إلا أنها لم تصل إلى مستوى التعبير عن حركة اجتماعية تحمل قضية حقوق الانسان، ويحدد اسباب هذا الغياب في:
    1- طغيان الدور الخدماتي المشاريعي على عمل هذه الجمعيات.
    2- عدم تعبير هذه الجمعيات عن فئات اجتماعية.
    3- عدم الترابط بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.[53]
    ويتميز نشاط منظمات حقوق الانسان في لبنان في التعليق على الانتهاكات التي تتعرض لها حقوق الانسان، وتقديم المساعدة القانونية لافراد تنتهك حقوقهم القانونية، ويغيب عن هذه المنظمات الاهتمام بالحقوق الاجتماعية للانسان. ويعبر هذا التباين عن التمايز بين العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والذي هو في جوهره تعبيراً عن الاختلاف بين وجهتي نظر كانتا سائدتين في مرحلة الحرب الباردة. إلا أنه مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي الذي فرض العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، سقط عملياً هذا العهد على الرغم من إقراره من قبل الامم المتحدة، وسيطر دعاة الحقوق السياسية والمدنية التي تركز على الحقوق الفردية. وفي المرحلة الحديثة برز جيل جديد مدافع عن حقوق الانسان يهتم بالجماعات الهامشية مثل الدفاع عن حقوق المهاجرين في فرنسا.
    وهذا السياق الدولي لتطور الاتجاهات حول حقوق الانسان يعبر عن موازين قوى تلعب دوراً أساسياً في تحديد الاتجاهات التي تسيطر على الحركة العالمية لحقوق الانسان. أما في لبنان فإن "أغلبية العاملين في هذا الاتجاه ما زالوا يعملون في اتجاه العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية[54]، لا بل أن هذه المنظمات تنتقي القضايا التي تتناولها في بياناتها.
    يبقى الاشارة إلى أن هذه الجمعيات التي تدعو إلى حقوق الانسان، لا تتمتع في داخلها بأي ديمقراطية، إذ أن الوجوه ذاتها تتكرر على رئاسة الجمعيات التي تحولت إلى سقف لا يمكن خرقه، وأي محاولة للخرق تتحول إلى أزمة تنتهي بإبعاد من قام بهذه المحاولة. ويتكرر مشهد غياب الديمقراطية في القضايا الوطنية العامة، فعلى سبيل المثال التأم عدد من المنظمات حول تحرك من اجل إقرار قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، إلا أن الحملة فشلت بسبب المنافسة بين عدداً من قيادة هذه المنظمات على البروز وربط الحملة به، فدب الخلاف بين المنظمات وانتهى الامر إلى فشل الحملة.
    ومن جهة أخرى ، تنشط في لبنان منظمات تعمل تحت عنوان حقوق الانسان، إلا أنها تركز في عملها على نشر ثقافة تحد من مكونات المواجهة في الثقافة والوعي الاجتماعي، من خلال ما تسميه نشر "ثقافة لا عنفية"، ومن بين القضايا التي ركزت عليها خلال العقد الماضي رفض أشكال المواجهة المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني في لبنان، بحجة أن هذه العمليات تدفع بالمحتل إلى توجيه ضربات عسكرية ضد المدنيين، ولتفادي هذه الضربات تدعو إلى تنظيم مقاومة مدنية من خلال العرائض والمقاطعة واصدار البيانات ودعوة الدولة إلى مفاوضات من أجل انهاء الاحتلال.
    ويسعى أصحاب هذا الاتجاه إلى تعميم هذه المفاهيم والمناهج "السلمية" من خلال الدعم الذي تتلقاه من المؤسسات الدولية والاجنبية مثل مؤسسة فريديش إيبرت والوكالة الدولية للتنمية الاميركية والاتحاد الاوروبي، من خلال تنظيم لقاءات للمنظمات غير الحكومية وللناشطين الاجتماعيين وطلاب الجامعات، حيث يتم تناول القضايا الاساسية في الصراع الاجتماعي والسياسي الوطني والقومي انطلاقاً من هذه "المفاهيم السلمية"،
    إننا والحالة هذه أمام دور وثقافة جديدتين للمنظمات غير الحكومية والهيئات الطلابية والشبابية، بحيث يتم إعادة تشكيل وعي الشباب والفاعلين الاجتماعيين إنطلاقاً من الدعوة إلى نبذ العنف والمواجهة مع القوى التي تعمل على سلب خيرات أمتنا ومستقبلها وتظهير الامر وكأنه مجرد عدم تواصل إيجابي مع " الآخر". هذا "الآخر" الذي يوصف بشكل مجرد والذي ممكن أن يكون زميل في العمل، أو في السكن، أو صاحب وجهة نظر مختلفة، أو من بلد مجاور أو ممكن أن يكون هذا "الآخر" بلداً يشن حرباً وعدواناً ويغتصب أو يحتل أرضاً عربية، وتصبح مهمة هذه المنظمات والفاعلين الاجتماعيين العمل على تصحيح الصورة السابقة التي ارتبطت بالنضال ضد الاستعمار والاحتلال والامبريالية، من خلال التوصل معه ومع شعبه، وإبرز الصورة الايجابية المسالمة لعدالة مطالبنا، وإقناعه بخطأ وجهة نظره.
    إن اختزال مصير الشعوب ونضالها ضد الاستعمار والاحتلال وسلب مستقبل أجيالها إلى مجرد ثغرات في عدم التوصل خاصة في هذه اللحظات التاريخية التي تتعرض فيها أمتنا لاقصى حالات العدوان، يشير إلى أن أصحاب هذه الاتجاهات هم في أحسن الحالات أغبياء سذج، وفي اسوء الحالات يمارسون دوراً متأمراً تضليلاً ضد نضال شعبنا في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
    إن العمل على بلورة ثقافة المدنية حاجة في مواجهة الثقافة الطائفية، مطلب أساسي على القوى الديمقراطية العمل من أجله، لكن للاسف فإن ارتباط هذه الدعوات بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي، وفي ظل انتقال العولمة من مستواها الثقافي والاقتصادي إلى المستوى الامني والعسكري واحتلال بلاداً عربية، يطرح علامة استفهام كبيرة على هذه الدور المشبوه.

    المنظمات البيئية
    إن نشأة الجمعيات البيئية المتخصصة في لبنان، ظاهرة حديثة العهد، تمتد إلى النصف الثاني من الثمانينات، إذا يبلغ عدد الجمعيات البيئة حوالي 38 جمعية[55] متخصصة بيئياً تأسست في لبنان، منها احدى عشر جمعية تأسست قبل أواسط التسعينات، والباقي تأسس في النصف الثاني من التسعينيات. ففي هذه المرحلة عقدت قمة الارض في "الريو دي جينيرو" التي خلصت إلى وضع أجند جديدة للمنظمات غير الحكومية، وسعت المنظمات الدولية والمنظمات الشمالية المانحة إلى ترجمة هذه الاجندة من خلال مشاريع ممولة. هذا ما أدى إلى تحول جزء كبير من التمويل الذي كان مخصصاً للتنمية إلى البرامج والانشطة البيئية، فتحول عدد من المنظمات غير الحكومية في لبنان مع هذا التحول، وتأسست جمعيات جديدة للتعامل لتلبية العرض المطروح من قبل المنظمات المانحة.
    وكما هو الحال في المجالات الاخرى التي سبق ذكرها، فإن المنظمات البيئية متباينة من حيث توجهاتها، إلا أنها منسجمة من حيث منهجية عملها، وتتباين الفاعلية والنشاط تبعاً لامكانيات التمويل المتوفرة.
    لقد تباينت الدوافع التي ارتكزت عليها الجمعيات البيئية عند التأسيس في لبنان، فمنها من تأسس انطلاقاً من دوافع علمية، وصنفت نفسها بأنها جمعية علمية مهتمة بالبيئة، ومنها من ارتبط بالقوى السياسية الطائفية التي سارعت إلى تأسيس الجمعيات البيئية من أجل الحصول على التمويل والحفاظ على علاقات الاستزلام والاستقطاب في طوائفها ومناطقها، ومنها من انطلقت من أسباب مرتبطة بالانتخابات البلدية أما تحضيراً أو نتيجة لها، ومنها من انطلقت من دوافع الحصول على التمويل "بتشجيع مباشر أو غير مباشر من الجهات المانحة والراعية سواء كانت محلية أم خارجية".[56] وربما نجد القليل الذي أسس جمعيات انطلاقاً من دوافع بيئية.
    إن تباين المنطلقات والدوافع عند التأسيس المنظمات البيئية لم يظهر تباين في الاداء، إذا أن عملها مقتصر على تقديم بعض الاستشارات البيئية، وتنفيذ بعض مشاريع البيئية، واختبار زراعات عضوية وبرامج التوعية، وطرح قضايا تتعلق يتلوث البيئة مع اقتراح مشاريع للتخفيف منه. ويمكن أن نشهد ظاهرة جديدة وهي تحول أغلبية الجمعيات البيئية إلى مؤسسات تشترك في استدرج العروض من الوزارات والمؤسسات الممولة لتنفيذ مشاريع بيئية، وهناك جمعيات "ما زالت تناقش إذا كان من المفيد الدخول في عملية التزام المشاريع التي تعرضها الدولة اللبنانية"[57]
    لقد استطاعت المنظمات البيئية في العالم أن تنظم نفسها في إطار حركة مستقلة ومنظمة، وتحولت إلى احزاب في نهاية السبعينات، ووصل بعضها إلى السلطة. واستطاعت المنظمات البيئية في لبنان، في إطار الاهتمام الدولي، أن تنظم حملة وتضغط من أجل قضية بيئية معينة، ولكن السؤال الذي يطرح على منظماتنا البيئية، هل ممكن ان تتحول هذه المنظمات إلى حركة بيئية دون أن يكون لها "خلفية ايديولوجية عامة أو شاملة"،[58] إن المتتبع والمراقب لمعظم التحركات و الكتابات والادبيات حول المنظمات البيئية، "يلاحظ بسهولة أنها قد اكتفت بصياغة بعض البرامج والمطالب في السياسية والادارة البيئية، وقدمت بعض الخطط والاقتراحات "لدراسة الاثر البيئي" للمشاريع أو "الانعاكاسات البيئية"، انطلاقاً من بعض الاهداف العامة والغامضة والتي لا تكتفي بالقول بحماية الطبيعة."[59]
    كما أن المتتبع لنشاط المنظمات البيئية، يمكن أن يلحظ هذا الابتعاد الكبير عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ترتبط حكما وبشكل عضوي بقضايا البيئة، مما يجعل من مجال عمل المنظمات البيئية، مجالاً جزئياً بامتياز، وغير مرتبط بقضايا المجتمع الاخرى، ويساعد على تعزيز هذا الطابع الجزئي، الطابع العلمي الذي تتخذه أكثرية هذه الجمعيات فتتحول إلى أشباه المبشرين بالخلاص من العذاب الارضي عبر الاهتمام والحفاظ على البيئة، ويتحول هؤلاء المبشرون، ومن تم التبشير بهم إلى مجموعة من المستهلكين للمنتجات الزراعية العضوية، المرتفعة الثمن، والتي لا يستطيع دفع ثمنها إلا الميسورين في المجتمع. وبذلك تتحول إلى موضة استهلاكية يتباهي بها البعض داخل الصالونات المخملية.
    كما أن البعض، ولا سيما المتخصصين في مجالات ترتبط بالبيئة، "يأتون إلى العمل البيئة إما لقضية بيئية محددة تجد لديهم الاهتمام الكافي، ولا يلتفتون للقضايا الاخرى، او لكي يضيفوا إلى سيرتهم الذاتية تجربة العمل في مشروع بيئي، يكون بمثابة معبراً للدخول في سوق العمل مع مؤسسات أخرى. مما يجعل الدوافع عند الكثير من الناشطين دوافع ذاتية ترتبط بمصالهحم".[60] وهذا ما يعيد طرح إشكالية العمل التطوعي، الذي بدا الافتقاد إليه في أغلبية الجمعيات الاهلية ومن ضمنها البيئية"[61]
    إن المنظمات الناشطة في مجال البيئة لا يمكن ان تبلور حركة اجتماعية بيئية، ما لم تكن جزء من حركة اجتماعية تهتم بمختلف القضايا الاجتماعية ومن ضمنها البئية. اما ان تحصر نفسها في المجال العلمي البيئوي، فإن ذلك لن يجعل منها سوى مكاتب استشارية مهنية، ممولة من منظمات ووكالات مانحة، تقدم استشارات مجانية لوزارات حول قضايا بيئية. وعلى الرغم من أهمية هذا الدور العلمي والتقني الذي يقوم به متخصصون، والفوائد التي يمكن أن يقدمها لتحسين الظروف البيئية، إذا كانت الدولة مهتمة بهذا الجانب، ولكن هذا الدور لا يجعل من هؤلاء المتخصصون مناضلون وأصحاب قضية اجتماعية، ولا يجعل من هذه المنظمات حركة اجتماعية.

    خلاصة واستنتاج

    إن الحركات الاجتماعية القديمة نشأت وتبلورت باعتبارها حركات اعتراض على النظام القائم، تهدف إلى أحداث تغيير في بنيته، وتملك مشروعاً سياسياً واقتصاديا واجتماعياً او على الاقل ترتبط بمشروع سياسي واقتصادي واجتماعي في البلد، وتكون مهمتها التعبير عن جزء من هذا المشروع في مجالها. لكن ما نشهده الان وبعد سلسلة التغييرات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم، أن هناك نشوء لجماعات تقصر مهمتها بشكل أساسي في المطالبة بتعديل في هذا القانون أو ذاك، أن تقوم بحملة توعية للمحافظة على البيئة، وتبتعد كل البعد لا بل تنّظر لهذا الابتعاد عن أي مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي في البلد.
    لقد نشأت الحركات الاجتماعية وقوي عودها نتيجة لتفاعلها مع مشاريع التغيير السياسي والاجتماعي التي حملتها الاحزاب السياسية، كما ساهمت هذه الحركات ببلورة مطالب الفئات والقوى الاجتماعية التي عبرت عنها. وأبرزت الترابط بين العاملين الاجتماعي والسياسي واستحالة الفصل بينهما. ولكن المشهد اليوم للمنظمات غير الحكومية العاملة في المجالات المذكورة أعلاه يقوم عند الاغلبية على التالي:
    - الفصل المتعمد والابتعاد عن أي علاقة مع الاحزاب السياسية.
    - التنظير للمنظمات غير الحكومية باعتبارها بديلاً للاحزاب السياسية.
    - أن جميع المنظمات (باستثناء المرأة) لا تعبر عن فئات اجتماعية محددة، فهي للجميع، وفي الوقت نفسه ليست للجميع.وهذا ما أدى إلى عدم بروز إمتدادات شعبية لها.
    لقد ارتبطت الحركات الاجتماعية بأفكار وقيم كبرى في مجال التغيير الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحمل هذه الافكار مناضلون ضحوا بأوقاتهم وسعادتهم الشخصية من أجل هذه الافكار. أما اليوم فإن أغلبية الناشطين في مجال المنظمات غير الحكومية ولا سيما الدفاعية منها، هم متخصصون جامعيون، يتوجهون لهذا المجال باعتباره احدى مجالات العمل المفتوحة أمامهم، والتي تشهد طلباً بسبب تزايد الدور أكثر فأكثر على خدماته، وبسبب التوجه إلى مأسسته انطلاقاً من الدور الرعائي والخدمي المحدد له. إن هذا التحول عامل جوهري في ابتعاد هذه المنظمات عن أن تشكل حركات اجتماعية تكون قادرة على حمل مصالح وأولويات المجتمع اللبناني والعربي، وفي الدفاع عن مصالحه الحيوية وثرواته الطبيعية وحقه في تقرير مستقبله.
    وإذا كانت صورة الحركات الموجودة لا تقدم، على أقله في الوقت الراهن، امكانية لبلورة حركة اجتماعية فاعلة ومرتبط بقضايا تطور وتقدم المجتمع. وإذا كانت صورة الاحزاب السياسية تعكس حجم الازمات التي تعاني منها، فإن السؤال الذي يطرح: هل سينتظر المجتمع، وخاصة في ظل هذه الهجمة التي يتعرض لها والتي تهدد وجوده، إلى أن تصحوا الاحزاب من كبوتها، لكي تعيد تشكيل الحركة الاجتماعية؟ ام أن المجتمع وبما يحمله من مكونات حيوية سيعمل على خلق حركاته الاعتراضية على هذه الهجمة؟
    لقد شكلت مرحلة سايكس- بيكو منعطف تاريخي في حياة الامة العربية، أدت إلى تبلور أشكال وحركات اجتماعية رفضت التقسيم الذي الحق بالامة، وعبرت عن نفسها بمقاومة الاحتلال الفرنسي والانكليزي. وجاءت مرحلة اغتصاب فلسطين لتشكل منعطف تاريخي جديد، ولتستفز المشاعر وتهدد المصالح القومية، وكان من نتيجة هذا الاغتصاب تبلور حركات اجتماعية وطنية وقومية، استطاع بعضها ان يغير الكثير من أوضاع دول عربية. واليوم يأتي الاحتلال الامريكي للعراق ليشكل منعطف جديد في تاريخ هذه الامة، هذا الاحتلال الذي لا يبدو أنه سيتوقف عند حدود العراق، بل وكما أعلنت الادارة الامريكية، انه مقدمة لتغيير خريطة المنطقة وصورتها.
    إن المنطقة العربية تعيش حالة انتقالية بين مرحلتين، مرحلة الاستعمار غير المباشر من خلال علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المرحلة الماضية، ووجود كيان الاغتصاب الصهيوني في فلسطين من جهة أولى، ومرحلة الاحتلال العسكري المباشر من خلال القواعد العسكرية الاجنبية والاحتلال الاميركي للعراق واطلاق يد الكيان الصهيوني في فلسطين والمنطقة من جهة ثانية.
    إن هذه المرحلة الانتقالية التي تعيشها المنطقة، في ظل اشتداد العدوان الذي يعبر عن اهدافه بالسيطرة على ثرواتنا، والتحكم بمصير أجالينا في المستقبل، سيشكل عامل أساسي في بلورة حركات اجتماعية جديدة لا بد وأن يكون مكوّن المقاومة بكافة أشكالها أحد المكونات الاساسية لها. وأن هذا التبلور ستتضح معالمه خلال المرحلة المقبلة.

    * باحث اجتماعي وأمين سر الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع


    [47] مسح منظمات القطاع الاهلي في لبنان، دراسة قمنا بإعدادها لوزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان تشرين الاول عام 2002

    [48] قدمت ورقة بعنوان "القطاع الاهلي اللبناني في واقعه وتحدياته" في المؤتمر الوطني الاول للهيئات الاهلية في لبنان، كانون الاول /ديسمبر 1999. أعد هذه الورقة كل من د. زهير حطب ، أديب نعمة، محمد ادريس، هاني عساف، زياد عبد الصمد. وتناولت هذه الورقة محاولة لتطوير مفهوم التنمية من وجهة نظر القطاع الاهلي، وايجاد فلسفة واقعية للقطاع الاهلي، وأولويات السياسة الاجتماعية في لبنان، وقدمت بعض الاقتراحات.

    [49] ليندا مطر، رئيسة لجنة حقوق المرأة اللبنانية والرئيسة السابقة للمجلس النسائي اللبناني .

    [50] المرجع السابق

    [51] المرجع السابق

    [52] غسان مكارم رئيس الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات في لبنان

    [53] المرجع السابق

    [54] المرجع السابق

    [55] مسح منظمات القطاع الاهلي في لبنان، مرجع سبق ذكره

    [56] حبيب معلوف، على الحافة- مدخل إلى الفلسفة البيئية، المركز الثقافي العربي، بيروت بيروت، الطبعة الاولى2002 الصفحة 164.

    [57] هلا عاشور، جمعية الخط الاخضر.

    [58] المرجع السابق ، الصفحة 39.

    [59] المرجع السابق ص 40

    [60] مقابلة مع السيدة هلا عاشور، مرجع سبق ذكره.

    [61] المرجع السابق


    ------------------------
    التعديل الأخير تم بواسطة DAYR YASSIN ; 17-04-2010 الساعة 18:40
    << ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكرا ، أو يضمّد جرحا أو يرقأ دمعا ، أو يُطهّر قلبا ، أو يكشف زيفا ، أو يبني صرحا يُسعد الإنسان في ضلاله >>

    ***********
    حياتنا توشك أن تنتهي عندما نصمت على أشياء وأوضاع خطيرة
    " مارتن لوثركنج "

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الاعضاء الذين قرأوا الموضوع: 0

لا يوجد أعضاء لوضعهم في القائمة في هذا الوقت.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •